فيما تخيم عودة التصعيد مجدداً على المشهد مع استمرار تعثر مسار التفاوض بين واشنطن وطهران، وعدم التمكن إلى الآن من عقد جولة ثانية من المفاوضات على رغم مواصلة الطرفين تبادل الرسائل والمقترحات والبنود، تدخل المحادثات السياسية والدبلوماسية بين البلدين لإنهاء الحرب مرحلة أكثر تعقيداً، إثر بقاء فجوة الشروط المتبادلة حول الملفات الخلافية بموازاة تصعيد ميداني متدرج، خصوصاً في منطقة مضيق هرمز التي باتت تمثل نقطة الاشتباك الأكثر حساسية منذ إعلان وقف إطلاق النار وتعليق الأعمال العسكرية في الثامن من أبريل/ نيسان الماضي.
ومنذ فشل اللقاء الأول بين ممثلي الولايات المتحدة وإيران في العاصمة إسلام أباد في الـ 11 من أبريل الماضي في الوصول إلى اتفاق، تثير مراوحة مسار المفاوضات مكانها من دون أي تقدم يذكر، فضلاً عن إستراتيجية كل بلد في التعاطي معها، المخاوف في شأن ما إذا كانت المنطقة والعالم أمام مسار سياسي سيقود إلى حل جذري للأزمة، أم أن سلوك الأطراف وعمق التباين حول الملفات الخلافية يهدفان لتحويل المحادثات إلى أداة لإدارة الصراع، تكبح انفجاره من دون إنهاء أسبابه، ولا سيما أن فهم العلاقة بين واشنطن وطهران لم تعد وفق ما يقول مراقبون، تُقاس فقط بانطلاق جولات التفاوض، بقدر ما تفسره طبيعة السلوك السياسي المصاحب لها، إذ تتداخل الرسائل الديبلوماسية مع الضغوط العسكرية والعقوبات الاقتصادية.
ويشهد المسار الدبلوماسي الذي استؤنف على وقع حرب مفتوحة وضغوط غير مسبوقة حالاً من الجمود، على رغم استمرار وقف إطلاق النار بين واشنطن وطهران، وما يعقد مساره هو بقاء الفجوة في المواقف بين البلدين حول الحصار الأمريكي للموانئ الإيرانية، وإغلاق مضيق هرمز، فضلاً عن برنامج طهران النووي، الملف الأهم بالنسبة إلى الولايات المتحدة الأمريكية.
وجاءت آخر محاولات كسر الجمود التفاوضي من قبل طهران بعد أن قدمت الأسبوع الماضي مقترحاً جديداً لواشنطن من 14 نقطة، ركزت بنوده بشكل أساس على رفع الحصار عن الموانئ الإيرانية، والإفراج عن الأصول المجمدة، وتمويل التعويضات ورفع العقوبات، فضلاً عن وضع "آلية خاصة" بمضيق هرمز، وإنهاء الحرب على كل الجبهات، من دون ذكر الملف النووي، وهو ما قال عنه الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إنه غير راض عنه "لأنهم لم يدفعوا ثمناً باهظاً بما فيه الكفاية".
أهداف التفاوض وغاياته
منذ إعلان وقف إطلاق النار بعد حرب تجاوزت بتأثيراتها وتبعاتها حدود الإقليم، بدت أهداف كل من واشنطن وطهران متباينة في ما يتعلق بمسار التفاوض، إذ أظهر السلوك السياسي والدبلوماسي لكلا البلدين تمسكاً بشروط خاصة للتوصل إلى اتفاق، انطلاقا من "فرضية النصر" التي حققها كل طرف وفق روايته لمسار المعركة ونتائجها، وعليه عكس مسار التفاوض محاولة الأطراف إدارة عملية توازنات دقيقة تستخدم فيها واشنطن أدوات الضغط القصوى لفرض تنازلات تدريجية، بينما تعتمد طهران على سياسة النفس الطويل وتكتيك كسب الوقت، مستفيدة من تعقيدات المشهد الدولي وتبدل أولويات القوى الكبرى.
وإضافة إلى التباين في فلسفة مسار التفاوض وطبيعته، تجلى كذلك تباين بنيوي في ترتيب أولويات حل الملفات الخلافية والعالقة بين الولايات المتحدة وإيران، إذ أظهر أحدث المقترحات التي قدمتها طهران لواشنطن تركيزها على إنهاء الحرب على قاعدة رفع الحصار الأمريكي عن موانئها وتخفيف العقوبات وفتح الممرات البحرية، مع تأجيل النقاش حول الملف النووي لمرحلة لاحقة، وهو ما ترفضه واشنطن مطالبة بضمانات نووية أولاً قبل أي تخفيف للعقوبات أو إنهاء للعمليات العسكرية.
وفي تفسيره لمسار المفاوضات يقول مدير "برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا" في مركز "مجموعة الأزمات الدولية" للبحوث، جوست هلترمان، إنه "خلال الفترة الأخيرة لم تدر المواجهة بين إيران والولايات المتحدة حول مسألة استئناف المفاوضات بقدر ما دارت حول الشروط التي ينبغي أن تستند إليها عملية استئنافها"، موضحاً في حديثه إلى "اندبندنت عربية" أن "الخلاف في الوقت الحالي يتركز على تسلسل الخطوات، وتقول طهران إن الحصار البحري الأمريكي يجب أن يتوقف قبل أن تبدأ محادثات أوسع نطاقاً، بينما ترى واشنطن أن الحصار يمثل وسيلة ضغط في تلك المحادثات، ولا تميل إلى رفعه مسبقاً".
ووفق هلترمان فإن تباين الأولويات والفجوة في الملفات الخلافية تعقدان مسار التفاوض، موضحاً أنه "من وجهة النظر الإيرانية فإن الحصار الأمريكي لموانئها يعد العقبة الرئيسة أمام مفاوضات حقيقية، وعليه أبلغوا الوسطاء بهذا الأمر"، مضيفاً أن "إيران سعت في مقترحاتها الأخيرة إلى تجاوز الجمود الجوهري في المفاوضات من خلال عرض فتح مضيق هرمز في مقابل موافقة الولايات المتحدة على وقف الحصار وإنهاء الحرب، مع تأجيل المفاوضات حول القضايا الجوهرية، بما في ذلك البرنامج النووي الإيراني، إلى مرحلة لاحقة، وهو ما لم تقبله واشنطن"، ومشيراً إلى أنه وبحسب المسؤولين الأميركيين فإن "مقترحات طهران لإعادة فتح المضيق تستند إلى استمرار سيطرة إيران عليه وفرض رسوم على المرور، وهو ما تعارضه واشنطن كما معظم دول المنطقة".
ووفق خبير إستراتيجيات الطاقة والزميل الأول في جامعة "جورج ميسون" الأمريكية، أوميد شكري، فإن "الولايات المتحدة وإيران تنضمان إلى عملية تفاوضية ذات رهانات عالية تتسم بتصعيد متقطع ووقف إطلاق نار وتقدم محدود"، معتبراً في حديثه إلينا أن "الجولات التفاوضية غير المباشرة الأخيرة تناولت بالأساس البرنامج النووي الإيراني ورفع العقوبات والأمن البحري والقضايا الإقليمية، لكن الخلافات الجوهرية لا تزال من دون حلن وعلى رغم استمرار المحادثات فإنها لم تسفر إلا عن خطوات تدريجية بدلاً من اتفاق شامل".
واعتبر شكري أن المفاوضات وفق تقييم الطرفين "تُعد أداة لكسب الوقت إلى حد ما، فالولايات المتحدة تواصل الضغط مع تجنب التصعيد، بينما تستغل إيران هذه العملية لتخفيف الضغوط الاقتصادية والحفاظ على المرونة الإستراتيجية"، معتبراً أن المشكلة الأعمق "تكمن في أن الخلافات الجوهرية هيكلية وليست تكتيكية، ومن غير المرجح أن تُحل بسرعة".
وذكر شكري أنه "بصورة عامة تعكس العملية التفاوضية الراهنة نمطاً كلاسيكياً من المفاوضات العدائية، تسعى فيه الولايات المتحدة إلى تغييرات جذرية، بينما تهدف إيران إلى حماية قدراتها الأساس وشرعية نظامها"، معتبراً أنه "نتيجة لذلك فمن غير المرجح حدوث اختراق سريع، إذ قد تظهر اتفاقات محدودة ومتدرجة على المدى القصير، لكن التوصل إلى حل شامل يتطلب معالجة قضايا أساس تتجاوز دورة المفاوضات الحالية".
التقدير ذاته شاركه المحلل الأردني المتخصص في شؤون الأمن والدفاع العميد أيمن الروسان قائلا إن "المفاوضات في هذه المرحلة تدار كأداة لكسب الوقت واحتواء التصعيد أكثر من كونها مساراً لحل نهائي"، موضحاً أن "ما شهدناه خلال جولة إسلام آباد الأولى حين غادر نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس بعد يوم واحد من المفاوضات، ظهر وكأنه أقام الحجة على الجانب الإيراني وأظهر للداخل الأمريكي بأن تعنت طهران عرقل المفاوضات، وبذلك يحاول أخذ شرعيه لخيار عودة الحرب مرة أخرى".
وأبان الروسان أننا "أمام تحول في شكل الحرب لا في جوهرها، من الحسم العسكري إلى الاستنزاف ومن المواجهة المباشرة إلى تفكيك الساحات، وهو ما يعني أن خطر التصعيد يبقى قائماً"، محذراً في الوقت نفسه من أن "ما تكشفه التطورات المتسارعة هو أنه كلما حاولت الأطراف ضبط الصراع زادت احتمالات خروجه عن السيطرة، بمعنى أن ما يجري أقرب إلى إدارة صراع عبر التفاوض وليس سعياً نحو اتفاق نهائي".
والأسبوع الماضي فشل إمكان عقد جولة جديدة من المحادثات كانت مقررة في العاصمة إسلام آباد بين وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي ومبعوثي الرئيس الأمريكي جاريد كوشنر وستيف ويتكوف، إذ ألغى الرئيس ترمب رحلة مبعوثيه معتبرا أنه "لا جدوى من إرسالهم في رحلة تستغرق 18 ساعة خلال الوضع الحالي، ويمكننا القيام بذلك بالكفاءة نفسها عبر الهاتف".
وفي أعقاب فشل هذا اللقاء قدمت طهران عبر وسطاء باكستانيين مقترحاً جديداً من 14 بنداً إلى واشنطن للتوصل إلى اتفاق حول إعادة فتح مضيق هرمز وإنهاء الحصار الأمريكي، على أن تؤجل المفاوضات النووية إلى مرحلة لاحقة، غير أن وسائل إعلام أمريكية نقلت عن الرئيس ترمب قوله أنه غير راض عنه "لأنهم لم يدفعوا ثمناً باهظاً بما فيه الكفاية".
وخلال الساعات الأخيرة أفادت وسائل إعلام إيرانية رسمية بأن واشنطن ردت على الاقتراح الإيراني المكون من 14 نقطة عبر باكستان وأن طهران الآن تدرسه، ويتعارض اقتراح إيران تأجيل المحادثات بخصوص القضايا النووية إلى وقت لاحق في ما يبدو مع مطلب واشنطن المتكرر بأن تقبل إيران قيوداً صارمة على برنامجها النووي قبل انتهاء الحرب، إذ تريد واشنطن أن تتخلى إيران عن مخزونها الذي يزيد على 400 كيلوغرام من اليورانيوم عالي التخصيب، والذي تقول إنه يمكن استخدامه لصنع قنبلة، فيما تؤكد طهران أن برنامجها النووي سلمي، لكنها أبدت استعدادها لمناقشة فرض قيود عليه في مقابل رفع العقوبات، مثلما قبلت بهذا في اتفاق عام 2015 الذي انسحب منه ترمب خلال ولايته الأولى عام 2018.
استراتيجيات تفاوض متباينة
على رغم استمرار تبادل الطرفين الأمريكي والإيراني المقترحات والرسائل والبنود لاستكمال عملة التفاوض، لكن عدم تحقيق اختراق يذكر حتى اللحظة يثير الأسئلة حول فهم إستراتيجية التفاوض لكلا البلدين، ولا سيما مع وجود تباين حول تعريف قواعد التفاوض نفسها، وما إذا كانت المسار يهدف إلى إنهاء الأزمة أم أنه أداة لإدارتها وتحسين شروطها، إذ يشير تعاطي البلدين إلى مضي واشنطن نحو سياسة الضغط الأقصى مع إبقاء باب التفاوض مفتوحاً لإجبار إيران على الاتفاق، بينما تتعامل طهران مع المفاوضات كوسيلة لتفكيك الضغوط تدريجياً من دون تقديم تنازلات إستراتيجية كبرى.
وفي شرحه لاستراتيجية البلدين في التفاوض يقول أوميد شكري إن "إستراتيجية الولايات المتحدة في التفاوض تجمع بين الضغط المستمر والدبلوماسية المشروطة، فهي تسعى إلى الحصول على تنازلات بعيدة المدى، بما في ذلك فرض قيود صارمة على تخصيب اليورانيوم أو تعليقه، وفرض قيود على القدرات الصاروخية، وإحداث تغييرات في الموقف الإقليمي لإيران، وفي المقابل تلمح واشنطن إلى إمكان رفع العقوبات وتطبيع العلاقات الاقتصادية"، موضحاً أن هذا النهج "يعتمد على الاستفادة من الضغط الاقتصادي والعسكري للضغط من أجل التوصل إلى اتفاق أوسع نطاقاً وأكثر تقييداً من الاتفاقات السابقة، مع الحفاظ على المفاوضات كوسيلة للتخفيف من حدة التصعيد".
أما نهج إيران بحسب شكري "فهو أكثر دفاعية ويركز على السيادة"، عاداً أن "طهران تصر على الحفاظ على حقها في تخصيب اليورانيوم وتسعى إلى تخفيف العقوبات من دون تفكيك قدراتها بصورة دائمة، وقد أبدت استعدادها للبدء في ذلك من خلال تدابير مرحلية أو محدودة، غالبًا ما تعطي الأولوية لخطوات تخفيف التوتر، بينما تؤجل القضايا الأكثر إثارة للجدل، وفي الوقت نفسه تستخدم نفوذها الإقليمي وقدرتها على الصمود تحت الضغط لتجنب تقديم تنازلات جوهرية".
ويرى مدير مركز "توران" للأبحاث والكاتب المشارك في صحيفة "نيوزويك" و"وول ستريت جورنال" ومجلة "فورين بوليسي" الأمريكية، جوزيف إبستين، أن إيران "تتبع الإستراتيجية نفسها التي اتبعتها خلال عهدي الرئيسين الأمريكيين السابقين باراك أوباما وجو بايدن الديمقراطيين، معتمدة على أن واشنطن تخشى مزيداً من التورط في الصراع، وأن الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترمب لن يخاطر بارتفاع أسعار الغاز قبل انتخابات التجديد النصفي"، مشيراً خلال حديثه لنا إلى أن النظام الإيراني "يقدم نفسه على أنه محصن ضد الألم الاقتصادي بفضل الإرادة الثورية، لكن الأيديولوجية لا تدفع رواتب البيروقراطيين الذين يحافظون فعلياً على استمرار الدولة"، على حد وصفه.
وذكر إبستين أنه وعلى النقيض من ذلك "تري الولايات المتحدة أن الوقت في مصلحتها، وأن بضعة أسابيع أخرى من ضغوط الحصار البحري ستجبر إيران على إغلاق الآبار، مما سيؤدي إلى تدمير إيرادات النفط الإيرانية بصورة دائمة"، متابعاً أن "إستراتيجية طهران هي في الأساس حنين إلى الماضي، فهي تحاول إعادة خلق الديناميكيات التي أنتجت خطة العمل الشاملة المشتركة التي جرى توصل إليها عام 2015، وذلك على فرضية أن الرئيس ترمب يشاطر أسلافه الرغبة في التوصل إلى اتفاق بأي ثمن، إلا أن موقف واشنطن مختلف جذرياً هذه المرة، إذ كان ترمب واضحاً في شأن خطوطه الحمر فيما يتعلق بالبرنامج النووي وترسانة الصواريخ الباليستية ودعم الوكلاء في الإقليم، مع عدم القبول بإعادة تنفيذ أو الوصول إلى اتفاق مشابه لخطة العمل الشاملة المشتركة، لأن الصورة السياسية التي تظهره وكأنه خسر أمام طهران ستكون مدمرة بالنسبة إليه".
أما العميد أيمن الروسان فيرى أن "كلا الطرفين يستخدم التفاوض كأداة ضمن معركة أوسع وليس كغاية بحد ذات"، موضحاً أنه "بالنسبة إلى الجانب الأمريكي فهو يستخدم التفاوض لتحقيق ثلاث وظائف رئيسة، أولاً كأداة ضبط لإيقاع التصعيد لتبقى الأزمة تحت السيطرة من دون الانزلاق إلى حرب شاملة، وثانياً كوسيلة اختبار للنيات الإيرانية، وثالثاً لكونه غطاء سياسياً أمام الحلفاء لإظهار أن واشنطن استنفدت المسار الدبلوماسي قبل أي خيارات عسكريه مرجحة"، مضيفاً أنه "في المقابل يدير الجانب الايراني التفاوض بعقلية كسب الوقت وتراكم الأوراق، إذ إن طهران تدرك أن عامل الزمن يعمل لمصلحتها في اتجاهات عدة ومنها تطوير برنامجها النوي وتعزيز نفوذها الإقليمي وامتصاص الضغوط الاقتصادية تدريجياً، ولذلك فهي لا ترفض التفاوض لكنها تحرص على إبقائه مفتوحا من دون تقديم تنازلات جوهرية سريعة، وتستخدمه لخلق تباينات داخل الموقف الأمريكي والغربي، ولتخفيف حدة الإجماع الدولي ضدها".
وتابع الروسان أن الإستراتيجية الأمريكية التي تستخدم الضغط والتفاوض عبر مزج العقوبات والردع العسكري مع فتح باب التفاوض، هدفها اتفاق سريع أو مرحلي يوقف التصعيد ويقيد البرنامج النووي مع الحفاظ على هيبة الردع وطمأنة الحلفاء، أما طهران فتتبع إستراتيجية النفس الطويل التي تقوم على كسب الوقت وتراكم الأوراق، وترفع سقف مطالبها وتقدم مرونة تكتيكية من دون تنازلات جوهرية، هدفها تخفيف العقوبات تدريجياً والحفاظ على قدراتها الإستراتيجية وتوسيع هامش المناورة".
إدارة صراع أم مسار حل نهائي؟
وأمام مسار تفاوضي لا يزال متعثراً بين واشنطن وطهران، تعود الأسئلة في شأن ما إذا كانت تلك الجهود السياسية والدبلوماسية قادرة على الوصول إلى اتفاق وإنهاء الصراع مع حسم الملفات الخلافية والعالقة، أم أن التطورات ومواقف الأطراف تدفعان الولايات المتحدة وإيران نحو إدارة الصراع وفق توازنات دقيقة وخطوط حمر متباينة من دون الوصول إلى لحظة الانفجار غير المحسوب.
وبتقدير جوزيف إبستين فإن "الطرفين يحاولان كسب الوقت ولكن وفقاً لجدولين زمنيين مختلفين تماماً، فإيران تأمل في إطالة أمد العملية إلى أن يحدث ما يخفف الضغط عنها، سواء كان ذلك بسبب الانتخابات النصفية أو انقسام التحالف، في حين يبدو أن الولايات المتحدة إلى الآن قادرة على توظيف الحصار على إيران لتحقيق أهدافه، على قاعدة أن كل أسبوع يمر يجعل الوضع الاقتصادي للنظام أكثر هشاشة"، معتبراً أنه وعلى رغم أن "الفجوات بين الطرفين لا تزال جوهرية وحقيقية ولن يمكن حسمها في غضون أسابيع، لكن العامل المُحفز هنا ليس الوقت بل انهيار عائدات النفط، مما يمنح واشنطن نفوذاً لا تستطيع طهران مجاراته".
وفي قراءة قريبة يرى العميد أيمن الروسان أن عامل الوقت "مهم للطرفين، إذ يستخدمان التفاوض لكسب الوقت مع محاولة واشنطن تجنب التصعيد وضبط إيقاع الصراع، ومحاولة طهران مراكمة الأوراق وتحسين شروطها"، مضيفاً "أن المشكلة أعمق بكثير من عامل الوقت، والملفات الخلافية ثقيلة وتتعلق بطبيعة النظامين وليس فقط بتفاصيل تقنية مثل البرنامج النووي أو العقوبات"، ومتابعاً أن "هناك فجوة ثقة كبيرة وتعارضاً في الرؤية الإقليمية ودور كل طرف، ولذلك فمن غير الواقعي توقع حل شامل خلال أسابيع، وما يمكن تحقيقه هو تفاهمات مرحلية محدودة تخفف التوتر وتدير الصراع".
وفي ما يتعلق بالحل الجذري والاتفاق الشامل فيقول الروسان إنه "أمر يحتاج إلى تغييرات أكبر في موازين القوى والحسابات السياسية لدى الطرفين"، مرجحاً أن "يشهد المسار التفاوضي خلال الفترة المقبلة شداً وجذباً من دون الوصول إلى اتفاق شامل، بسبب إصرار الطرفين على شروطهما، فضلاً عن التدخلات الإسرائيلية المباشرة في المشهد".
ووفق قراءة جوست هلترمان فإنه وعلى رغم التطورات والضغوط المتبادلة فإن "المسار الأكثر ترجيحاً هو استمرار المفاوضات القسرية بدلاً من تحقيق اختراق دبلوماسي أو العودة الكاملة للحرب المفتوحة"، مرجحاً أن تواصل باكستان وعُمان مع أطراف إقليمية أخرى محاولاتها إعادة تشكيل إطار للمحادثات، في وقت لا يبدو أن "إيران أو الولايات المتحدة حريصتان على إعلان فشل الدبلوماسية"، على حد وصفه.
(اندبندنت عربية)