بعد أكثر من شهرين على حرب إيران لا تزال الملاحة عبر مضيق هرمز محفوفة بالأخطار على رغم اقتراب واشنطن وطهران من اتفاق إطاري قد يعيد حركة الملاحة إليه، لكن نهج إيران لاستغلال النفوذ على نقطة اختناق جغرافية حيوية، يذكر العالم بأساليب تعود إلى ستة قرون مضت بدأت حينما فرضت الدنمارك في أوائل القرن الـ15 رسوماً على السفن العابرة في المضائق التي تربط بحر الشمال ببحر البلطيق ما أثار استياء القوى البحرية الكبرى، وبخاصة الولايات المتحدة، والتي هددت الدنمارك في منتصف القرن الـ19 باستخدام القوة العسكرية، مما أدى إلى إنهاء الرسوم بالدبلوماسية، فما طبيعة التجارب التاريخية التي استغلت فيها الدول مزايا الجغرافيا لابتزاز العالم؟ وكيف ساد مبدأ حرية الملاحة عبر بحار ومحيطات العالم ضد من يسعون إلى تقييدها؟
نموذج للاضطراب
مع دخول حرب إيران شهرها الثالث واستمرار المواجهات المسلحة المتقطعة بين الولايات المتحدة وإيران، لا تزال الملاحة عبر مضيق هرمز الذي يمر عبره أكثر من ثلث التجارة الدولية في النفط والغاز، محفوفة بالأخطار على رغم الجهود الدبلوماسية الجارية لإنهاء خنق إيران للملاحة الدولية في المضيق ورفع الحصار البحري الأمريكي عن إيران بعدما أوقفت إدارة دونالد ترمب موقتاً "مشروع الحرية" الذي أطلقته في الثالث من مايو/ أيار لمساعدة السفن العالقة على عبور المضيق، وما زالت تهدد بإعادة فرضه مرة أخرى، لكن إغلاق إيران المضيق أمام الملاحة في الـ28 من فبراير/ شباط، بعدما شنت الولايات المتحدة وإسرائيل حملة عسكرية ضدها، ومطالبة طهران في منتصف مارس/ آذار برسوم تصل إلى مليوني دولار أمريكي لكل سفينة، أثار عدوى اضطراب حول العالم، فوفقاً لهذا النهج، سعت دول أخرى إلى استخدام نفوذها على نقاط الاختناق الحيوية القريبة من سواحلها، إذ طرحت إندونيسيا اقتراحاً بفرض رسوم على السفن العابرة لمضيق ملقا، الذي يبلغ طوله 900 كيلومتر، ويحده كل من إندونيسيا وتايلاند وماليزيا وسنغافورة، ويوفر أقصر طريق بحري من شرق آسيا إلى الشرق الأوسط وأوروبا، وتصفه إدارة الطاقة الأمريكية بأنه أكبر ممر عبور نفطي في العالم، بخاصة أن البيانات الصادرة عن إدارة الشؤون البحرية الماليزية أشارت إلى أن أكثر من 102500 سفينة، معظمها سفن تجارية، عبرت مضيق ملقا عام 2025، مما يعني أن الدول التي تشرف على المضيق يمكن أن تحقق ثروات طائلة إذا ساد منطق الرسوم على المضائق البحرية الدولية.
غير أنه بعد عاصفة عالمية من الجدل تراجعت إندونيسيا عن هذه الخطوة، في الوقت الذي أصدرت فيه الصين تحذيرات ضد السفن العسكرية الأجنبية التي تعبر مضيق تايوان، والتي جاءت على لسان سفير الصين في كندا وانغ دي الذي حذر أوتاوا من عواقب تضر الشراكة الاستراتيجية بين البلدين إذا أرسلت كندا مزيداً من السفن العسكرية عبر مضيق تايوان الذي تزعم بكين أنه يدخل في إطار مياهها الإقليمية على اعتبار أن تايوان تعد جزءاً من الوطن الأم في الصين الشعبية، وهو ما تتحداه الولايات المتحدة بين حين وآخر بمرور سفنها العسكرية عبر المضيق.
حقبة ذهبية مهددة
دفعت هذه الأحداث إلى التحذير من نهاية حقبة ذهبية من حرية الملاحة التي كفلتها الولايات المتحدة لأكثر من قرن، فعلى مدى العقود الماضية، حافظت أمريكا على دورها كضامن رئيس للأمن العالمي للمضائق الدولية الحيوية، مستخدمة أسطولها البحري الضخم الذي بلغ 6768 قطعة مع نهاية الحرب العالمية الثانية، كانت تمثل 70% من القطع البحرية في العالم، لضمان حرية الملاحة وتدفق التجارة العالمية من دون انقطاع.
اتسم هذا الدور إلى حد كبير بنهج الأمن متعدد الطبقات، الذي يجمع بين الوجود العسكري والجهود الدبلوماسية لتأمين الممرات البحرية الحساسة ضد تهديدات مثل القرصنة والإرهاب والدول المعادية، حيث اتخذت تدابير فعالة ضد القرصنة قبالة سواحل الصومال واعتراض شحنات الأسلحة غير المشروعة، كما اعتمدت الولايات المتحدة تسيير الدوريات البحرية والمرافقة مثل نشر مجموعات حاملات الطائرات وأسراب المدمرات في نقاط الاختناق الرئيسة بشكل منتظم مثلما فعلت خلال الحرب العراقية - الإيرانية في ثمانينات القرن الماضي لوقف تهديدات البلدين لحركة الملاحة في الخليج العربي.
ونشرت أمريكا قواتها للتصدي للمطالبات البحرية التي تعتبرها الولايات المتحدة غير متوافقة مع القانون الدولي، وتجري لهذا الغرض ضمن استراتيجية المحيطين الهندي والهادئ الحر والمفتوح، عمليات لحرية الملاحة بشكل متكرر للتصدي للمطالبات البحرية المفرطة للصين، كما وطدت تحالفاتها مع الفلبين واليابان وأستراليا، ودعمت تايوان في الدفاع عن النفس.
وفي نصف الكرة الغربي سلطت استراتيجية الدفاع الوطني الأمريكية لعام 2026 الضوء على قناة بنما وممرات القطب الشمالي الناشئة، باعتبارها مناطق بحرية رئيسة لإنفاذ القانون والمراقبة الأمريكية.
أما في باب المندب حيث هدد الحوثيون في اليمن الملاحة البحرية العام الماضي، فقد انخرطت البحرية الأمريكية في هجمات عسكرية عنيفة استمرت أكثر من 50 يوماً لوقف تهديد الملاحة من قبل الحوثيين، وهي جهود تبعت جهود مكافحة القرصنة والإرهاب لحماية الملاحة البحرية المارة بالقرب من البحر الأحمر والتي كانت ضمن فرق عمل متعددة الجنسيات لتأمين السفن، مما يعكس تحولاً نحو تشجيع الحلفاء على تحمل مزيد من المسؤولية، لخلق بيئة أمنية بحرية مجزأة، ولكنها لا تزال نشطة بقيادة الولايات المتحدة.
استغلال تاريخي للنفوذ
محاولات الدول استغلال نفوذها على نقاط الاختناق الجغرافية الحيوية في البحر، ليست بالأمر الجديد، بل تعود إلى ستة قرون، فمنذ أوائل القرن الـ15 وحتى عام 1857، كانت الدنمارك تلزم السفن العابرة للمضائق الضيقة التي تربط بحر الشمال ببحر البلطيق بالتوقف في مدينة هلسينغور الساحلية أو (إلسينور) كما سماها شكسبير في مسرحية هاملت، لدفع رسوم قبل مواصلة رحلتها.
شكلت هذه الرسوم في ذروتها ما يقارب 10% من الإيرادات الوطنية للدنمارك كما يشير أستاذ القانون في جامعة "كولورادو بولدر" فيفيك كريشنامورثي، حيث أثارت هذه الرسوم استياء القوى البحرية آنذاك، ومع ذلك استطاعت الدنمارك فرضها بسهولة بفضل ضيق مضيق أوريسند، الذي يقل عرضه عن ثلاثة أميال (خمسة كيلومترات) عند هلسينغور. لكن في نهاية المطاف، انتهت هذه الرسوم بالدبلوماسية، ولكن تحت تهديد باستخدام القوة العسكرية، من قوة بحرية صاعدة ذات مصلحة بالغة في حرية الملاحة البحرية وهي الولايات المتحدة التي كانت تسعى لزيادة تجارتها مع بروسيا، فقد أبلغت إدارة الرئيس الأمريكي جون تايلر الدنمارك عام 1843 برفض الولايات المتحدة دفع رسوم مضيق بروسيا لافتقارها لأي أساس في القانون الدولي.
وبعد سنوات، تم حسم مصير رسوم مضيق بروسيا بموجب اتفاقية كوبنهاغن عام 1857 التي وافقت الدنمارك بمقتضاها على إلغاء الرسوم نهائياً مقابل دفعة مالية واحدة من الدول التجارية الكبرى، ومنذ ذلك الحين، ساد مبدأ حرية الملاحة في محيطات العالم إلى حد كبير.
عصر عالمي جديد
لكن قبل ذلك، وعلى مدى خمسة قرون، رسخت القوى البحرية العالمية الصاعدة نفوذها على البحار والمضائق الواحد تلو الآخر، حيث أرست إسبانيا والبرتغال في الفترة بين القرن الـ15 وحتى الـ17، دعائم عصر عالمي جديد من ديناميكيات القوة العالمية، من خلال الاستيلاء الفعال على نقاط الاختناق البحرية الاستراتيجية والسيطرة عليها لاحتكار طرق التجارة الدولية.
ركزت استراتيجية إسبانيا على تأمين بوابات المحيط الأطلسي والبحر الكاريبي والخدمات اللوجيستية البحرية، لحماية أساطيلها المحملة بالفضة العائدة من العالم الجديد، فقد أدركت إسبانيا الأهمية البالغة للمضائق الضيقة داخل منطقة البحر الكاريبي، مما يضمن قدرة سفنها الشراعية على التحرك بأمان على الرغم من تهديدات القراصنة والمنافسين، وأبقت سيطرتها على مدخل البحر المتوسط عند مضيق جبل طارق وعززت مواقعها بالسيطرة على مناطق ساحلية رئيسة مثل سبتة ومليلية، مما ساعد في إدارة الوصول إلى المضائق وتوفير الأمن ضد القراصنة، وربطت إسبانيا تجارتها بالمحيط الهادئ عبر طريق مانيلا غاليون، وسيطرت على تدفق البضائع بين آسيا (الفيليبين) والأميركيتين (المكسيك).
أما البرتغال فقد ركزت سيطرتها على مداخل المحيط الهندي للهيمنة على تجارة التوابل، واستندت استراتيجية البرتغال في السيطرة على الموانئ الرئيسة والقنوات الضيقة بدلاً من المساحات الشاسعة من الأراضي، ما سمح لدولة صغيرة بالسيطرة على طرق التجارة العالمية، ففي عام 1511، سيطرت البرتغال بقيادة أفونسو دي ألبوكيرك على مضيق ملقا، الذي يربط المحيط الهندي ببحر الصين الجنوبي، ما سمح للبرتغال باعتراض التجارة بين الهند والصين، واستولت البرتغال على مضيق هرمز عام 1515، ما مكنها من مراقبة السفن عبر الخليج العربي، وأدى ذلك إلى خنق التجارة بين الهند والشرق الأوسط.
نظام الكارتاز (القرطاس)
خلال القرن الـ16 أدخل البرتغاليون نظام "الكارتاز" المشتق من الكلمة العربية "قرطاس" (ورقة) لترخيص التجارة البحرية في المحيط الهندي ومن ثم احتكارها عبر فرض السيطرة على التجار الآسيويين، فقد ألزم هذا النظام السفن بدفع رسوم، وكان بمثابة شبكة حماية أشبه بعصابات المافيا، تخول للبرتغاليين مصادرة أي سفينة تعمل من دون تصريح، وكان الهدف السيطرة على تجارة المحيط الهندي، واحتكار تجارة التوابل (الفلفل، القرنفل)، وتحقيق مكاسب مالية للتاج البرتغالي.
كان ملاك السفن، ومعظمهم من المسلمين والهندوس والماليزيين، يدفعون ثمن "الكارتاز" (التصريح) في المحطات البرتغالية (غوا، ملقا، هرمز) من أجل المرور الآمن ضد القراصنة والدول المنافسة، والسفن التي لا تحصل على "الكارتاز" تُصادر حمولتها، ويستعبد طاقمها أو يغرق على يد الدوريات البرتغالية، التي كانت تكثف عملياتها خلال موسم الرياح الموسمية.
نهاية فاشلة
فشل نظام "الكارتاز" البرتغالي، كنظام احتكاري مطلق بسبب ارتفاع كلف تنفيذه والمقاومة المستمرة من التجار المحليين والمنافسة البحرية المتفوقة من القوى الأوروبية الأخرى، حيث تلاشى هذا النظام، مع تراجع النفوذ البرتغالي، لا سيما خلال القرن الـ17، وتم التخلي عنه نهائياً مع انحسار إمبراطوريتهم.
لكن عوامل كثيرة أسهمت في فشله منها عدم القدرة على السيطرة الكاملة على التجارة، والتهرب واسع النطاق، سواء بالتجارة من دون تصاريح أو باستخدام طرق بديلة، وفساد المسؤولين البرتغاليين الذين تقاضوا رشى من التجار وسمحوا لهم بالتجارة من دون "الكارتاز" المطلوب، مما أدى إلى تقويض فاعلية النظام، كما كان من المستحيل عملياً على البرتغاليين مراقبة السواحل الشاسعة لآسيا بمواردهم البحرية المحدودة.
وأدى وصول منافسين أوروبيين أكثر تقدماً من الناحية التكنولوجية وأفضل تمويلاً (شركة الهند الشرقية - الهولندية وشركة الهند الشرقية - الإنجليزية) في أوائل القرن الـ17 إلى كسر الهيمنة البحرية البرتغالية، فقد خاض الهولنديون حرباً ضارية للاستيلاء على الأراضي البرتغالية وتفكيك احتكارها في آسيا، وانتهى الحال إلى فقدان البرتغال معظم قواعدها المحصنة الرئيسة، بما في ذلك هرمز (1622) وملقا (1641) وتم إنهاء النظام رسمياً مع تقلص الإمبراطورية البرتغالية.
صعود وأفول نجم هولندا
خلال عصرها الذهبي في القرن الـ17 سيطرت هولندا على المضائق العالمية الرئيسة من خلال إنشاء إمبراطورية بحرية عالمية مهيمنة بقيادة شركة الهند الشرقية - الهولندية، وشركة الهند الغربية، والتي استخدمت أساطيل تجارية مسلحة لتأمين طرق التجارة واحتكار التوابل والعبيد والسلع الفاخرة، حيث ركزوا على نقاط الاختناق الاستراتيجية، بما في ذلك مضيق ملقا ومضيق سوندا ورأس الرجاء الصالح، للسيطرة على الوصول بين أوروبا وآسيا حيث منحت الدولة الهولندية الشركات صلاحيات خاصة (احتكارات، وسلطة بناء الحصون، وشن الحروب)، مما جعلها بمثابة دولة داخل الدولة.
شيد الهولنديون مراكز تجارية محصنة بشدة عند نقاط الاختناق الحيوية، مثل باتافيا (جاكرتا حالياً) في مضيق سوندا، وملقا في مضيق ملقا، وساعدهم على النجاح سفن تجارية متخصصة عالية الكفاءة وخفيفة التسليح تسمى سفن الفلوت، والتي يمكنها حمل كميات كبيرة من البضائع بطواقم صغيرة، ما منحهم ميزة تنافسية في أسعار الشحن، وحرصوا على عقد التحالفات الاستراتيجية والدبلوماسية من خلال معاهدات قسرية في بعض الأحيان مع السلاطين المحليين.
وفي أفريقيا، سارع الهولنديون إلى السيطرة على رأس الرجاء الصالح بتوسيع نفوذهم إلى كيب تاون عام 1652، وهو ممر الشحن الحيوي الذي يربط المحيط الأطلسي بالمحيط الهندي، وهيمنت شركة الهند الغربية على العديد من جزر الكاريبي وأجزاء من البرازيل، ما سمح لها بتحديد طرق نقل البضائع عبر المنطقة، لكن هولندا فشلت في الحفاظ على سيطرتها على المضائق العالمية بشكل أساس بسبب الحروب الأنغلو - هولندية، ومحدودية عدد سكانها وجيشها لحماية الأراضي الأوروبية من فرنسا والدفاع عن المضائق الاستراتيجية البعيدة في جميع أنحاء العالم، فضلاً عن ارتفاع كلف صيانة الإمبراطورية البحرية، فمع حلول القرن الـ 18، أجبرت القوة البحرية البريطانية المتنامية الهولنديين على التحول من السيطرة على طرق التجارة إلى موقف دفاعي يركز على التجارة، ما أدى إلى فقدانهم مزايا استراتيجية رئيسة لصالح بريطانيا.
ولم يتمكن الهولنديون من منع تمرد مسلح من السيطرة على إندونيسيا في عام 1949، مما أنهى وجودهم في المضائق الحيوية في جنوب شرقي آسيا، وبحلول نهاية القرن الـ18، حلت الإمبراطوريتان الفرنسية والبريطانية محل نفوذ هولندا حول العالم.
بريطانيا تحكم البحار وتفقدها
سيطرت بريطانيا في الفترة من عام 1815، وحتى عام 1914، على المضائق العالمية الرئيسة بصفتها أقوى بحرية في العالم آنذاك، من خلال إنشاء شبكة من القواعد البحرية الاستراتيجية والمستعمرات والمحميات والتي غالباً ما تسمى "نقاط الحراسة" على طول الطرق البحرية الرئيسة للسيطرة على التجارة العالمية، بدءاً بجبل طارق للوصول إلى البحر المتوسط، ومستعمرة كيب في جنوب أفريقيا الحالية خلال الحروب النابليونية، وكلاهما كان حيوياً للتواصل مع آسيا، وبخاصة الهند.
بمرور الوقت أدت هذه الاستراتيجية إلى إنشاء سنغافورة، التي سيطرت على مضيق ملقا، ثم عززت لندن وجودها في جزيرتي مالطا وقبرص الاستراتيجيتين، وبعد افتتاح قناة السويس، وسعت بريطانيا سيطرتها على طرق التجارة في البحر المتوسط من خلال شراء حصص القناة، ثم احتلال مصر وعدن عند مصب البحر الأحمر للسيطرة على التدفق بين أوروبا وآسيا، وأخيراً برزت هونغ كونغ كمركز تجاري مثالي عند مصب نهر اللؤلؤ في شرق آسيا، وهكذا ترسخ شعار "بريطانيا تحكم البحار".
كسر هيمنة لندن
لكن هيمنة بريطانيا على المضائق العالمية الرئيسة انتهت بسبب الضغط العسكري الناتج عن حربين عالميتين والإرهاق الاقتصادي الشديد وتزايد الديون ما ترك الخزانة من دون أموال للحفاظ على القواعد البحرية والحاميات في جميع أنحاء العالم، وجعل الحفاظ على إمبراطورية بحرية واسعة أمراً لا يمكن تحمله.
وأجبرت الحركات القومية في الهند ومصر والشرق الأوسط بريطانيا على الانسحاب من مناطق رئيسة ومضائق استراتيجية مثل قناة السويس في مصر، حيث أثبتت أزمة السويس عام 1956 أن بريطانيا لم تعد قادرة على السيطرة على هذا الرابط الحيوي بين البحرين المتوسط والأحمر من دون دعم الولايات المتحدة.
وأدى صعود الولايات المتحدة كقوة مهيمنة عالمية بعد الحرب العالمية الثانية إلى الضغط على بريطانيا لإنهاء الاستعمار، إذ رفضت واشنطن دعم لندن في الإبقاء على إمبراطوريتها، وأدى التوسع الياباني السريع في الحرب العالمية الثانية إلى استسلام مواقع حيوية مثل سنغافورة، وكسر سيطرة بريطانيا على مضيق ملقا، مما حطم صورة بريطانيا التي لا تقهر.
كيف تطور القانون؟
منذ أن بدأت الدنمارك فرض الرسوم على حركة السفن في المضائق خلال القرن الـ15 إلى أن تم تسوية هذا الأمر بموجب اتفاقية كوبنهاغن عام 1857 التي وافقت الدنمارك بمقتضاها على إلغاء الرسوم نهائياً، عكست هذه الاتفاقية اللمسات الأولى من قانون العبور الذي كان يتطور جنباً إلى جنب مع النظام الدولي للبلدان ذات السيادة على مدى قرون.
يتمثل مبدأ قانون العبور الأساس في أنه عندما تقتضي المصلحة أو الضرورة، يجب على الدولة السماح لأفراد وبضائع وسفن الدول الأخرى بالمرور عبر أراضيها في رحلة تبدأ وتنتهي في مكان آخر، ولهذا المبدأ جذور عميقة في التاريخ القانوني الأميركي والدولي، حيث استند إليه توماس جيفرسون الرئيس الثالث للولايات المتحدة عند التفاوض مع إسبانيا، التي كانت تسيطر آنذاك على لويزيانا، لضمان حق الولايات المتحدة في الملاحة عبر نهر المسيسيبي.
وعلى رغم أن ضمانات حرية العبور كانت سمة أساسية في كل نظام دولي منذ أن أنهى مؤتمر فيينا الحروب النابليونية عام 1815، فإنه هذه الضمانات تعرضت في كل حالة لضغوط مع ضعف النظام الذي أنشأها، إذ تزايدت القيود المفروضة على حقوق العبور في جميع أنحاء أوروبا قبل الحرب العالمية الأولى، وحتى عندما جعلت عصبة الأمم، وهي نواة الأمم المتحدة الحالية، تعزيز حقوق العبور أولويتها القصوى في عشرينيات القرن الماضي، انهارت الترتيبات التي أقرتها مع صعود الفاشية في أوروبا وآسيا، وتنصلت أنظمة من ألمانيا النازية إلى اليابان الإمبراطورية من التزاماتها القانونية الدولية.
مبدأ قانوني حاكم
غير أن النظام العالمي الذي أعقب الحرب العالمية الثانية أعاد تأكيد حقوق العبور من خلال قانون البحار، والاتفاقيات التجارية، والقوانين المنظمة للطيران المدني، وظلت هذه الحقوق سارية لعقود عدة، وأوضحت محكمة العدل الدولية المبدأ القانوني الحاكم للمضائق الدولية في أول قضية لها، والذي صدر الحكم فيها عام 1949 بأن أي مسطح مائي مفيد للملاحة الدولية بين بحرين مفتوحين يكون مفتوحاً لسفن جميع الدول.
وأكدت اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، المبرمة عام 1982، هذا المبدأ، إذ نصت على أنه لا يجوز للدول فرض رسوم على السفن العابرة للمضائق الواقعة ضمن مياهها، وعلى رغم أن إيران والولايات المتحدة لم تصدقا على الاتفاقية، فإن الولايات المتحدة تقبل أحكامها المتعلقة بحرية الملاحة باعتبارها ملزمة لجميع الدول.
ولهذا يعد فرض إيران رسوماً في مضيق هرمز انتهاكاً للمبدأ القانوني الأساس الذي يمنع الدول من استغلال مزاياها الجغرافية لابتزاز الأجانب الذين يحتاجون إلى عبور أراضيها أو مياهها.
أعراض كامنة
لا تقتصر هذه المشكلات على مضيق هرمز فحسب، بل إن القانون التجاري والالتزامات الأمنية والمعايير التي تحظر إعادة رسم الحدود من جانب واحد، جميعها تتعرض لضغوط، ولا تعد تحذيرات الصين من المرور العسكري عبر مضيق تايوان، وتجربة إندونيسيا لاختبار ردة الفعل الدولي لفرض رسوم عبر مضيق ملقا، بمثابة استفزازات معزولة، بل هي أعراض لحالة كامنة واحدة، تظهر نظاماً دولياً يفقد الالتزام المشترك الذي لطالما جعل قواعده قابلة للتنفيذ، ولهذا السبب حذر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني من أن النظام الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة يتلاشى، وهو ما يجسده وضع مضيق هرمز الآن.
(اندبندنت عربية)