في ظرف أسبوع واحد في مايو/ أيار توجهت الأنظار نحو بكين حيث كان أقوى ثلاثة أشخاص في العالم يتباحثون في توقيت صعب مصالحهم وتحدياتهم المتقاطعة. جاءت القمتان المنفصلتان بين الرئيس الصيني شي جينبينغ بكل من نظيريه الأمريكي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين خلال مرحلة انتقالية غير مسبوقة، وعلى وقع الإدراك الأمريكي المتزايد بأن ترتيبات ما بعد الحرب الباردة التي أسست للهيمنة الأمريكية باتت تتصادم على نحو ظاهر ومتزايد بالقوة الصينية الصاعدة، والجرأة الروسية المتنامية على تحدي النظام الدولي الذي أرسته واشنطن بعد الحرب العالمية الثانية، وهما عاملان أعادا سؤال القوة إلى الواجهة، بالتزامن مع حربين كبريين في أوروبا والشرق الأوسط، طرفاها موسكو وواشنطن، وتداعياتها تمس الصين سلباً وإيجاباً.
لماذا القوة؟
تعد القوة محور صراع قديم وأزلي بين المنظرين الواقعيين والليبراليين، وعلى رغم من أنها بقيت من أهم المفاهيم المؤسسة لعلم العلاقات الدولية، فإن المنظرين الليبراليين دانوا التركيز المفرط على القوة والمفاهيم التي تتفرع عنها مثل الردع العسكري، داعين إلى الأخذ بعين الاعتبار بقية العوامل المؤثرة في سلوك الدول.
ومن هذا المنطلق، ولدت الأطروحة الليبرالية التي تفترض أن الترابط الاقتصادي بين الدول سيقود إلى عالم أكثر سلاماً، وازدادت جاذبية هذه الأطروحة مع رواج خطاب العولمة حول عالم تحكمه قيم كونية تتجاوز التباينات السياسية.
لكن التجربة العملية والتاريخية تقوّض أطروحة الترابط الاقتصادي، فعلى رغم من ازدياد الصلات التجارية بين الدول ونضج المنظمات الاقتصادية الدولية، فإن النزاعات لم تتوقف أو تهدأ وتيرتها بل أخذت منحى تصاعدياً سنوياً منذ عام 2014 وفق مؤشر السلام العالمي، وبسببها قّتل نحو 152 ألف شخص في عام 2024. وفي ظل وجود 59 نزاعاً نشطاً بين الدول، وهو أكبر عدد منذ عام 1949، ترقى ظروف عالمنا اليوم لتكون الأسوأ منذ الحرب العالمية الثانية.
وتحيي النزعة المتزايدة نحو استخدام القوة العسكرية الافتراضات الواقعية حول مركزية القوة في أي جهد لتفسير وفهم قرارات الدول. وبلا شك تزداد القدرة التفسيرية والتحليلية للنظرية الواقعية عندما يكون موضوع النقاش هو المنافسة بين القوى العظمى، وهي منافسة ذات تداعيات عابرة للقارات.
وبينما يعود الفضل للنظرية الواقعية في إبقاء مفهوم القوة متداولاً، إلا أن المنظرين الواقعيين يفهمون القوة من منطلق القدرة المادية، وتحديداً العسكرية، ولذلك فشلوا في بلورة فهم أشمل يعبّر عن توازنات القوى التي لا تتشكل بالضرورة عسكرياً. ومن هذا المنطلق، فإن النظر إلى التصورات المتباينة للقوة بأبعادها المتعددة لدى زعماء القوى العظمى الثلاث يمكن أن يساعد على فهم أولوياتهم وأثرها على العالم.
اختزال القوة
لم تغب أسئلة القوة عن قمتي بكين، بل كانت مقياساً للتفوق عبر رصد الصورة والكلمة وحتى البنية الجسمانية، إذ ضجت مواقع التواصل بالمقارنات بين قامتي الرئيسين الأميركي والصيني، وبين مستوى وحفاوة الاستقبال الصيني لترمب وبوتين. لكن المشهد الأكثر لفتاً للانتباه هو المحادثة العفوية التي التقطتها الكاميرات بين ترمب وشي في "حديقة الأباطرة"، عندما أوقف الرئيس ترمب نظيره الصيني وسأله عما إذا كان قد اصطحب قادة آخرين إلى هذا المكان، ليرد شي بتأكيد ندرة هذه الزيارات، موضحاً أن بوتين حظي بجولة مماثلة في المجمع السري.
لم تمر تلك اللحظة مرور الكرام، بل اعتنى بها مراقبو السوشيال ميديا الحريصون على تحليل كل لحظة رئاسية مع التركيز على مظاهر الصلابة، لكن مثلما يختزل الواقعيون القوة في القدرات العسكرية، يختزل هؤلاء القوة في الرمزية، غافلين عن أبعادها المتعددة التي يمكن من خلالها بناء فهم أدق للعالم.
بُني الفهم التقليدي للقوة في علم العلاقات الدولية على أنها أداة قسرية تُقاس أساساً بالتفوق العسكري والقدرة على فرض الإرادة، غير أن مفكرين مثل ميشال فوكو وسّعوا هذا الفهم، عبر النظر إلى القوة بوصفها أكثر من مجرد قدرة مادية على الإكراه، فهي أيضاً قدرة على تشكيل المعرفة.
وتزداد أهمية هذا الطرح في الساحة الدولية التي تتسم بالأناركية، أي غياب سلطة مركزية فوق الدول، ففهم القوة بأبعادها المتعددة يساعدنا على فهم العلاقات الدولية بصورة أفضل. مثلاً، يوهم غياب السلطة المركزية بأن النظام الدولي خال من تشكيلات هرمية قسرية، لكن الواقع أن النظام الدولي ظل دائماً محكوماً بتفاوتات واضحة في القوة والنفوذ، تسمح لبعض الدول بتحديد قواعد النظام، وصياغة معاني الشرعية فيه، وتحديد أولوياته وأعدائه وحدود المقبول والمرفوض داخله.
وتبرز أهمية هذا النقاش اليوم لأن التحولات الجارية في النظام الدولي لا تعكس فقط انتقالاً في موازين القوة، بل أيضاً تصادماً بين تصورات مختلفة لمعنى القوة ذاتها، فخلال العقود التي أعقبت الحرب الباردة، ساد افتراض ليبرالي مفاده أن العولمة، والتبادل الاقتصادي، والمؤسسات الدولية، ستقلل تدريجاً من مركزية القوة الصلبة والصراع الجيوسياسي، لمصلحة عالم أكثر تعاوناً واعتماداً متبادلاً، غير أن عودة النزاعات الكبرى، وتصاعد التنافس الأمريكي- الصيني، والجرأة الروسية في تحدي النظام الدولي، كشفت حدود هذا التصور، فالدول الكبرى لم تتخلَّ عن منطق القوة، بل أعادت تعريفه وتوسيعه.
3 أوجه للقوة
تقدم مقاربة "الأوجه الثلاثة للقوة" فهماً أوسع لكيفية عمل القوة في السياسة الدولية، ليس فقط عبر1. الإكراه، بل أيضاً عبر2. التحكم بالأجندة و3. تشكيل الوعي. ويكتسب هذا الإطار أهمية خاصة عند محاولة تفسير سلوك ترمب، وبوتين، وشي جينبينغ والتنبؤ بقراراتهم، لأن كل واحد منهم يجسد فهماً مختلفاً للقوة، أو مزيجاً مختلفاً من هذه الأوجه. مثلاً يميل ترمب إلى تصور القوة بوصفها قدرة مباشرة على الهيمنة والضغط المادي عسكرياً أو اقتصادياً، بينما يركز بوتين على القوة في إطار استعادة السيادة والتوازن التاريخي مع الغرب، في حين يتعامل شي معها كمشروع طويل الأمد لإعادة تشكيل النظام الدولي وموقع الصين داخله. وهذا التباين لا يكشف فقط اختلاف شخصيات القادة، بل يعكس اختلافاً أعمق في تصور دولهم لطبيعة النظام العالمي وحدود القوة وغاياتها.
يرتبط الوجه الأول للقوة بالفهم التقليدي الشائع، أي قدرة طرف ما على إجبار طرف آخر على القيام بشيء لم يكن ليقوم به طوعاً سواء عبر الحرب، أو العقوبات، ووفق هذا التصور، تُعد الدولة قوية بقدر ما تستطيع فرض إرادتها على الآخرين. ومن الأمثلة الواضحة على ذلك الحرب الأميركية على العراق عام 2003، حين استغلت الولايات المتحدة تفوقها العسكري لإسقاط صدام حسين وفرض واقع سياسي جديد.
أفسح هذا الفهم الاختزالي المجال لـ"الوجه الثاني للقوة" عند بيتر باكراش ومورتون باراتز، اللذين جادلا بأن القوة لا تعمل فقط عندما يجبر الطرف الأقوى طرفاً آخر على تغيير سلوكه، بل أيضاً عندما يحدد الأقوى ما الذي يمكن مناقشته أصلاً وما الذي يبقى خارج النقاش. فالقوة هنا تتمثل في التحكم بالأجندة السياسية، أي القدرة على تحديد القضايا التي تشغل الرأي العام، أو منع قضايا أخرى من الوصول إليه أساساً.
ومن أمثلة ذلك الطريقة التي جرى فيها تقديم غزو العراق باعتباره استجابة ضرورية لخطر "أسلحة الدمار الشامل"، بينما جرى تهميش الخيارات الأخرى مثل العقوبات أو الحلول الدبلوماسية. وتتجلى هذه القوة في قدرة السياسيين ووسائل الإعلام على إدخال قضايا إلى النقاش العام أو إزاحتها منه، كما حدث في محاولة إدارة ترمب تقليص حضور مفاهيم مثل التغير المناخي في الخطاب الرسمي والإعلامي.
وينقل "الوجه الثالث للقوة" عند ستيفن لوكس القوة من مستوى القرار والأجندة إلى مستوى الوعي نفسه، فالقوة، وفق هذا التصور، لا تشكل القرارات فقط، بل تشكل أيضاً أفكار الناس وقيمهم وما يعتقدون أنه يخدم مصالحهم. وهنا تصبح القوة قادرة على دفع الأفراد إلى تبني مواقف قد تكون في الحقيقة ضد مصالحهم الفعلية. ويستند لوكس في ذلك إلى أفكار أنطونيو غرامشي حول الهيمنة والوعي الزائف، أي قدرة القوى المهيمنة على تشكيل وعي المجتمع عبر الإعلام والتعليم والثقافة والخطاب السياسي.
ويمكن رؤية ذلك في تأييد بعض الفئات الفقيرة في الولايات المتحدة لسياسات تقلص برامج الرعاية الاجتماعية التي تعتمد عليها، أو في نجاح الحكومتين الأميركية والبريطانية في حشد الدعم الشعبي لحرب العراق عبر خطاب مكثف عن الإرهاب وأسلحة الدمار الشامل.
أما المقاربة الأكثر راديكالية فتأتي مع فوكو، الذي رفض النظر إلى القوة كشيء يمتلكه البعض ويحرم منه آخرون، بل كشبكة واسعة من العلاقات الاجتماعية التي تشكل الجميع وتؤثر فيهم وهي ليست فقط قمعية أو سلبية، بل منتجة أيضاً أي إنها تنتج المعرفة وما يعده المجتمع حقيقة أو أمراً طبيعياً. ومن أهم أفكار فوكو أن المعرفة ليست محايدة بالكامل، بل تتأثر دائماً بمن ينتجها ولأي غرض.
ومن الأمثلة الشهيرة على ذلك خريطة ميركاتور، التي وضعت أوروبا في مركز العالم وكبّرت حجم دول الشمال مقارنة بدول الجنوب، رغم أنها أقل دقة من خرائط أخرى، مما يكشف أن حتى الأدوات التي تبدو علمية ومحايدة يمكن أن تعكس علاقات القوة والتصورات الهرمية عن العالم.
ترمب واستعادة القوة برفض الاستثنائية الأمريكية
يجسد ترمب الفهم الأكثر قرباً إلى الوجه الأول للقوة، أي القوة بوصفها قدرة مباشرة على الهيمنة وفرض الإرادة فالعالم في نظره ليس إلا ساحة تنافس مفتوحة بين الأقوياء والضعفاء، حيث تُقاس المكانة بالقدرة على الضغط وكسب الصفقات وتحقيق المكاسب الوطنية المباشرة. ويظهر هذا التوجه جلياً في تصريحه لصحيفة "نيويورك تايمز" حين قال إنه ليس هناك حدود لسلطته الرئاسية سوى عقله وأخلاقه الشخصية، مشيراً إلى أنه لا يحتاج القانون الدولي.
أعاد ترمب الاعتبار إلى أدوات القوة الصلبة، عبر العقوبات، والحروب التجارية، والقوة العسكرية. وتجلت نزعته نحو هذا النوع من القوة في عملية اعتقال نيكولاس مادورو، وحرب إيران، وفي خطابه حول فرض السيطرة على كوبا.
لكن ترمب لم يكتفِ بالقوة بمعناها التقليدي، بل استخدم أيضاً أدوات ترتبط بالوجه الثاني للقوة، أي التحكم بالأجندة العامة إذ أدرك مبكراً أن من يحدد موضوع النقاش يمتلك جزءاً كبيراً من النفوذ السياسي، ولهذا اصطدم بوسائل الإعلام التقليدية واستخدم وسائل التواصل الاجتماعي بصورة غير مسبوقة لرئيس أميركي بهدف فرض أولوياته على النقاش العام الأمريكي والدولي.
ومن خلال شعارات مثل "أمريكا أولاً" و"لنجعل أمريكا عظيمة مجدداً"، أعاد ترمب تقديم القضايا المركزية في السياسة الأمريكية مثل الهجرة والعولمة وفق رؤيته الخاصة.
لكن حرص ترمب المفرط على الوجه الأول للقوة، بوصفها أداة مباشرة لتحقيق المكاسب السريعة، جعل رؤيته للقوة تبدو شديدة التركيز على المصالح الأمريكية الآنية أكثر من تركيزها على البنية الاستراتيجية طويلة المدى التي قامت عليها الهيمنة الأمريكية بعد الحرب العالمية الثانية فترمب ينظر إلى التحالفات، والتجارة، وحتى الالتزامات الأمنية، من زاوية الكلفة والعائد المباشر، ولهذا ضغط بقوة على الحلفاء الأوروبيين لرفع إنفاقهم الدفاعي وتقاسم الأعباء داخل "الناتو". ودفعت مقاربة ترمب الصدامية كثيراً من الأوروبيين إلى التساؤل عمّا إذا كانت واشنطن لا تزال ترى نفسها ضامناً لأمن أوروبا.
وينطبق الأمر نفسه على آسيا، حيث بدا أن التزام ترمب تجاه تايوان أو حتى تجاه احتواء الصين محكوم أحياناً بمنطق الصفقات الاقتصادية أكثر من كونه جزءاً من رؤية استراتيجية. ولذلك رأى منتقدوه أن إدارته تعاملت مع ملفات كبرى مثل العلاقة مع الصين أو التحالفات الآسيوية بعقلية تجارية قصيرة الأمد، قد تُضعف تدريجاً الثقة الدولية في الالتزامات الأميركية بعيدة المدى. فالقوة، بالنسبة إلى ترمب، تميل إلى أن تُقاس بما يمكن انتزاعه فوراً من تنازلات أو أرباح، لا بما يمكن بناؤه على مدى عقود من نفوذ وثقة وتحالفات مستقرة.
تدل هذه المواقف على أن فهم ترمب للقوة يرتبط أيضاً بما يمكن اعتباره رفضاً لفكرة "الاستثنائية الأمريكية" التي شكّلت لعقود أحد أهم مصادر النفوذ الأميركي العالمي فترمب لا ينظر إلى الولايات المتحدة باعتبارها قوة مخلّصة أو نموذجاً أخلاقياً يقود العالم، بل كدولة مثل غيرها، تخوض منافسة قاسية داخل نظام دولي يقوم على الربح والخسارة. ولهذا كان خطابه مختلفاً جذرياً عن الخطاب الأمريكي التقليدي، فبدلاً من الحديث عن قيادة العالم الحر، تحدث عن أمريكا بوصفها دولة "يضحك عليها العالم"، تخسر تجارتها، وتتحمل أعباء حماية الآخرين، بينما تستفيد قوى أخرى مثل الصين من النظام الذي بنته واشنطن نفسها، وهنا يحول ترمب مفهوم القوة من قيادة النظام العالمي إلى استعادة التفوق داخل منافسة صفرية مع قوى صاعدة.
ويشير ستيفن فرتهايم، الباحث في مؤسسة "كارنيغي للسلام الدولي"، إلى أن ترمب قدّم "قومية عادية" لا ترى الولايات المتحدة أمة استثنائية ذات رسالة عالمية، بل دولة تنافس دولاً أخرى متكافئة في الطموح والقوة وهذا الفهم يفسر جانباً كبيراً من سياساته الخارجية. فترمب لا يرى التحالفات الغربية، أو المؤسسات الدولية، أو حتى الديمقراطية الليبرالية، بوصفها مصادر قوة في حد ذاتها، بل التزامات يجب إعادة التفاوض حول كلفتها وعوائدها. ولهذا بدا مستعداً لإضعاف الثقة الأوروبية بالمظلة الأميركية، والتعامل ببراغماتية شديدة مع قضايا مثل تايوان أو "الناتو"، طالما أن ذلك قد يحقق مكاسب اقتصادية أو تفاوضية مباشرة.
لكن هذا التركيز على الوجه الأول للقوة أضعف اهتمام ترمب بما يسميه لوكس الوجه الثالث للقوة، أي القدرة على تشكيل الوعي والقيم والشرعية الدولية. فالقوة الأمريكية تاريخياً لم تقم فقط على حاملات الطائرات والدولار، بل أيضاً على صورة الولايات المتحدة باعتبارها نموذجاً سياسياً وثقافياً يقود النظام الليبرالي العالمي. ومن خلال الجامعات، والإعلام، والثقافة الشعبية، والمؤسسات الدولية، والتحالفات الغربية، استطاعت واشنطن لعقود أن تجعل كثيراً من الدول ترى مصالحها منسجمة مع القيادة الأميركية. لكن ترمب تعامل مع هذا النوع من القوة الناعمة بشك واضح، بل أحياناً بازدراء، لأنه اعتبر أن الولايات المتحدة تدفع كلفة نظام يستفيد منه الآخرون أكثر منها.
ولهذا تركت سياسات ترمب أثراً عميقاً على صورة الولايات المتحدة في العالم، خصوصاً في أوروبا فبعدما كان يُنظر إلى واشنطن بوصفها الضامن النهائي للأمن الأوروبي والتوازن مع روسيا، بدأ الحديث في فرنسا وألمانيا عن الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي. كما أن توتر علاقة ترمب بالمؤسسات متعددة الأطراف، وخطابه القومي الصدامي، وفرضه رسوماً جمركية حتى على شركاء تقليديين، كلها أسهمت في تقويض جزء من الشرعية السياسية التي دعمت النفوذ الأميركي لعقود.
وهنا تحديداً تظهر حدود التركيز الحصري على القوة الصلبة فالدول لا تحافظ على هيمنتها عبر التحالفات بالقوة المادية وحدها، بل أيضاً بقدرتها على إنتاج الثقة، والشرعية، والاقتناع بأن قيادتها للنظام الدولي تخدم الآخرين، لا مصالحها فقط.
بوتين واستعادة القوة باستحضار التاريخ
في الضفة الأخرى، يمثل فلاديمير بوتين تصوراً للقوة يتجاوز معناها التقليدي، إلى فهم أوسع يرى أن القوة الحقيقية تكمن أيضاً في القدرة على تشكيل التاريخ والهوية والمجال الحضاري الذي تتحرك داخله الدولة، فبوتين لا ينظر إلى روسيا باعتبارها مجرد دولة قومية تسعى إلى حماية مصالحها الآنية، بل كقوة تاريخية وحضارية فقدت جزءاً من مجالها ونفوذها بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، وتسعى اليوم إلى استعادته حتى لو تطلب ذلك اللجوء للخيار العسكري. ولهذا فإن مفهومه للقوة يرتبط بصورة وثيقة بفكرة السيادة، والهيبة، واستعادة المكانة، أكثر من ارتباطه بفكرة الاندماج في نظام دولي تقوده الولايات المتحدة، وقد لخّص هذا التصور في عبارته الشهيرة عام 2005 حين وصف انهيار الاتحاد السوفياتي بأنه "أكبر كارثة جيوسياسية في القرن الـ20".
ويظهر هذا الفهم بوضوح في الطريقة التي يتعامل بها بوتين مع أوكرانيا، ففي المقال الذي كتبه عام 2021 سعى الرئيس الروسي إلى توظيف التاريخ كأداة سياسية وقال إن "الروس والأوكرانيين شعب واحد". وكما يوضح المؤرخ في جامعة انديانا ديميتري شلابنتوخ، فإن بوتين ينظر إلى الهوية نفسها باعتبارها نتاجاً لعلاقات القوة، لا حقيقة ثابتة أو طبيعية والتقارب أو الاختلاف بين الشعوب، في هذا التصور، لا يتحدد فقط باللغة أو الثقافة، بل أيضاً بمن يملك النفوذ السياسي والقدرة على فرض السردية التاريخية المهيمنة. ولهذا تعامل بوتين مع استقلال أوكرانيا وانجذابها نحو الغرب باعتبارهما تهديداً جيوسياسياً وحضارياً في آن واحد، لأنهما يعنيان خروج جزء من العالم الروسي من دائرة النفوذ الروسية.
ولا يمكن فهم سياسات بوتين فقط من زاوية الأمن أو الردع العسكري، بل أيضاً من زاوية إعادة إنتاج النفوذ الروسي بوصفه فضاءً حضارياً وسياسياً مستقلاً عن الغرب. فالحرب في أوكرانيا والتصعيد المستمر مع "الناتو"، كلها تعكس تصوراً يرى أن النظام الدولي ليس فضاء محايداً، بل بنية هرمية تحددها القوة. ولذلك يرفض بوتين النظام الأحادي القطبية الذي تشكل بعد الحرب الباردة، ففي خطابه الشهير في مؤتمر ميونيخ للأمن عام 2007، هاجم ما وصفه بـ"العالم الأحادي القطبية"، معتبراً أن الولايات المتحدة تجاوزت حدودها وفرضت رؤيتها على العالم بالقوة.
لكن الأهم أن بوتين يدرك، بصورة قريبة من مفهوم الوجه الثالث للقوة عند لوكس، أن السيطرة لا تتحقق بالقوة العسكرية وحدها، بل أيضاً بالقدرة على تشكيل الوعي والهوية إذ تركز روسيا بوتين على بناء خطاب قومي يقوم على مفاهيم مثل "العالم الروسي"، ورفض الهيمنة الغربية، والدفاع عن القيم التقليدية. وفي هذا السياق، تصبح السيطرة على الإعلام، والتعليم، والرواية التاريخية، جزءاً أساسياً من ممارسة القوة، لأن الصراع بالنسبة إلى بوتين ليس فقط على الحدود، بل على الطريقة التي يفهم بها الروس أنفسهم والعالم من حولهم.
ويشير شلابنتوخ إلى أن بوتين يتعامل مع التاريخ بصورة "مكيافيلية" وبراغماتية، فهو لا يسعى فقط إلى الحفاظ على السلطة، بل إلى توسيع النفوذ الروسي وإعادة بناء مكانة روسيا كقوة عظمى ولهذا غيّر بوتين استراتيجياته أكثر من مرة، من محاولة التقارب مع الغرب في بداية حكمه، إلى تبني خطاب أوراسي، ثم إلى فكرة "العالم الروسي" بعد تصاعد الصدام مع أوروبا والولايات المتحدة. وهذا يعكس فهماً للقوة لا يقوم على خطة أيديولوجية ثابتة، بل على إعادة توظيف التاريخ والهوية والجغرافيا السياسية وفقاً لموازين القوة المتغيرة.
هذا التصور المعقد للقوة امتدت آثاره للعالم فمن جهة، أسهمت سياسات بوتين في تسريع عودة أوروبا إلى منطق التنافس الجيوسياسي والحروب الكبرى، بعد عقود من الاعتقاد الليبرالي بأن العولمة والاعتماد الاقتصادي المتبادل سيقللان من احتمالات الصراع بين القوى الكبرى. ومن جهة أخرى، أعادت روسيا تحت قيادة بوتين طرح أسئلة أعمق حول النظام الدولي نفسه: من يملك حق تحديد قواعده، وهل السيادة الوطنية تعني الخضوع للنظام الليبرالي الغربي، أم القدرة على مقاومته؟
شي والقوة عبر كتابة المصير البشري
يقال إن بوتين هو الزعيم الوحيد الذي يمكنه عناق شي جينبينغ، ومع ذلك فإن كليهما يملكان تصوراً مختلفاً رغم اشتراكهما في رفض الهيمنة الأميركية، إذ يقدم الرئيس الصيني تصوراً أكثر شمولاً واستراتيجية للقوة فالقوة عنده ليست مجرد تفوق عسكري أو قدرة على الردع، بل هي مشروع طويل الأمد لإعادة تموضع الصين عالمياً. ولهذا يتعامل شي مع القوة باعتبارها مزيجاً من الاقتصاد، والتكنولوجيا، والانضباط السياسي، والهوية الحضارية.
وجاءت مشاريع مثل الحزام والطريق، والاستثمار الضخم في الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والبنية التحتية العالمية، بوصفها أدوات لإعادة تشكيل موازين النفوذ العالمية تدريجاً، لا عبر المواجهة المباشرة فقط، بل عبر بناء شبكة اعتماد اقتصادي وتكنولوجي تجعل الصين مركزاً متزايد الأهمية في النظام الدولي. وبخلاف الغزوة البوتينية في أوكرانيا، تجنبت الصين تحت قيادة شي حتى الآن غزو تايوان.
في مستوى الوجه الأول للقوة، يدرك شي أهمية التفوق المادي بصورة واضحة، ولهذا عزز الإنفاق العسكري، ووسع النفوذ البحري الصيني، وأعاد بناء الجيش الصيني على أسس أكثر حداثة، بالتزامن مع استخدام أدوات الضغط الاقتصادي والتكنولوجي بصورة متزايدة. ويتجلى ذلك في عسكرة بحر الصين الجنوبي، والتصعيد حول تايوان، واستخدام الصين نفوذها التجاري لمعاقبة دول تتخذ مواقف تعارض مصالحها.
غير أن شي يبدو أكثر اقتراباً من الوجهين الثاني والثالث للقوة فهو يدرك أن الهيمنة لا تتحقق بالقوة العسكرية وحدها، بل أيضاً بالقدرة على تحديد الأجندة وتشكيل الوعي إذ أعاد شي الأيديولوجيا إلى مركز السياسة الصينية بعد عقود من البراغماتية الاقتصادية في عهد دنغ شياو بينغ وخلفائه ولم تعد الصين في عهد شي ترى نفسها مجرد اقتصاد صاعد داخل نظام عالمي تقوده أمريكا، بل مشروعاً حضارياً وتاريخياً بديلاً، يملك تصوراً مختلفاً للتنمية والسيادة والشرعية السياسية.
ويلاحظ كيفن رود، رئيس الوزراء الأسترالي الأسبق، ومؤلف كتاب "الحرب التي يمكن تجنبها: أخطار الصراع الكارثي بين الولايات المتحدة والصين في عهد شي جينبينغ"، فإن فهم شي للعالم لا يمكن فصله عن رؤيته الأيديولوجية، إذ ينظر إلى صعود الصين باعتباره جزءاً من مسار تاريخي يعيد تشكيل توازن القوة العالمي لمصلحة بكين ومن هنا تأتي أهمية القومية والتاريخ في مشروعه، فشي يكرر باستمرار خطاب "النهضة العظيمة للأمة الصينية" و"قرن الإذلال"، ليس فقط لاستثارة المشاعر الوطنية، بل لبناء وعي سياسي يرى صعود الصين أمراً تاريخياً وحتمياً.
وهذا يقترب كثيراً من الوجه الثالث للقوة عند لوكس، حيث تنعكس القوة في القدرة على تشكيل وعي الناس وما يعدونه طبيعياً أو مشروعاً ولهذا عزز شي سلطة الحزب الشيوعي، وأعاد صياغة الخطاب القومي الصيني حول النهضة العظيمة للأمة الصينية بالتوازي مع بناء سردية عالمية بديلة عن الغرب فمشاريع مثل "الحزام والطريق"، أو الحديث عن "مصير مشترك للبشرية"، محاولات لإعادة تعريف قواعد النظام الدولي ومعاني الشرعية والتنمية بعيداً من الهيمنة الغربية التقليدية.
لكن ما يميز شي أكثر من غيره هو أن فهمه للقوة شديد الارتباط بفكرة التاريخ فهو لا يرى الصراع مع الغرب باعتباره مجرد تنافس عابر بين قوى كبرى، بل جزء من مسار تاريخي أوسع يعد أن الشرق يصعد والغرب يتراجع وفي هذا الإطار، تصبح القوة مرتبطة بالقدرة على الصبر الاستراتيجي، والانضباط الداخلي، وبناء التفوق الاقتصادي والتكنولوجي على مدى عقود، لا فقط بتحقيق انتصارات سريعة أو استعراضات سياسية آنية.
ولهذا يبدو مشروع شي أقل اندفاعاً من بوتين، وأقل شخصية واستعراضية من ترمب، لكنه ربما الأكثر شمولاً وتنظيماً بين الثلاثة، لأنه يحاول الجمع بين القوة الصلبة، والسيطرة الأيديولوجية، وإعادة تشكيل النظام الدولي ضمن رؤية تاريخية طويلة الأمد.
(اندبندنت عربية)