14 أغسطس 2026
14 أغسطس 2026
يمن فريدم-الحرة


تحول الصراع الأمريكي الإيراني إلى ما يشبه معركة “عضّ أصابع” في مضيق هرمز، حيث يعوّل كل طرف على أن يقدم الآخر تنازلات تحت وقع الألم الاقتصادي.

فمن جهة، تجد طهران في إغلاق المضيق وتهديد حركة الملاحة ورقة رابحة تؤثر على اقتصاد العالم وتضغط على واشنطن، ومن الجهة المقابلة تفرض الولايات المتحدة حصارا بحريا على إيران تراهن على أن يؤلمها اقتصاديا ويدفعها للتنازل.

ويؤكد خبير الشؤون الدبلوماسية بمعهد الشرق الأوسط في واشنطن، آلان إير، أن كل طرف يعتقد أن تكبيد الآخر مزيدا من المعاناة الاقتصادية من شأنه أن يدفعه لتغيير حساباته الاستراتيجية.

وقال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إن الولايات المتحدة لديها "سيطرة كاملة" على مضيق هرمز، ليرد عليه حسين طائب قائد قوات "الباسيج" شبه العسكرية بالقول إن المضيق "تحت سيطرة وإدارة إيران".

وتأتي هذه التصريحات مع تصاعد حدة البيانات والاتهامات المتبادلة، فيما تستمر الجهود الدبلوماسية الدولية الساعية لإنهاء الحرب والحيلولة دون اتساع رقعتها.

وذكرت مصادر حكومية باكستانية، أن طهران وواشنطن اقتربتا من الاتفاق على تمديد وقف إطلاق النار، الذي امتد 60 يوما بموجب مذكرة تفاهم بينهما وقعت في 18 يونيو، وأن القضايا التي تناقش ⁠عبر الوسطاء تتمثل في عودة الولايات المتحدة إلى الاتفاق المؤقت وتحديد إطار زمني لتنفيذ الالتزامات.

لكن تصريحات ​أمين عام المجلس ‌الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي، ​بخصوص الإبقاء على مضيق هرمز مغلقا إلى حين قبول الولايات ​المتحدة بشروط إيران، خفضت سقف الآمال في التوصل إلى اتفاق، وجاءت تصريحات قائد الباسيج الجديدة لتؤكد مدى تصلب موقف إيران من القضية.

وفي ظل تمسك كل طرف بمطالبه، تتقلص حركة الملاحة الدولية عبر مضيق هرمز، وكذلك في مضيق باب المندب بسبب هجمات الحوثيين المصنفين جماعة إرهابية في واشنطن، وكان آخر تلك الهجمات استهداف سفينة ترفع علم تنزانيا أدى إلى مقتل أربعة من أفراد الطاقم.

الواقع بالأرقام

تكشف بيانات شركة تتبع سفن الشحن” كيبلر” التي حصلت عليها "الحرة" تراجع عدد السفن العابرة من هرمز إلى أدنى مستوى خلال أسبوع، بواقع 15 سفينة يوم الثلاثاء، 11 منها عبرت المسار الإيراني، بينما لم يسلك أي منها المسار التقليدي، وانخفض هذا العدد إلى سبعة فقط يوم الأربعاء، علما أن حوالي 130 سفينة كانت تمر يوميا عبر المضيق قبل اندلاع الحرب.

وكانت حركة الملاحة بطيئة طوال شهر يوليو، بمتوسط ​​26 عملية عبور يوميا، وكذلك في شهر يونيو بمتوسط ​​33 عملية عبور، مع هجمات الإيرانيين على السفن.

ووفقا لـ "كيبلر"، اختار نحو 40% من السفن المسار الذي تديره إيران، وحوالي 40% اختار الإبحار دون تفعيل أنظمة التتبع (أي إطفاء أجهزة تحديد الموقع)، مما جعل مساراتها غير معلومة.

ويكشف تحليل "الحرة" لبيانات كيبلر الخاصة بعمليات العبور منذ مارس الماضي أن الممر المائي شهد نحو 4000 عملية عبور، حوالي 1300 منها سلكت المسار الإيراني، مقابل 232 عملية عبور فقط تمت عبر الممر العماني والمياه الإقليمية العمانية. ويتضح أيضا أن نسبة كبيرة كانت لسفن خاضعة للعقوبات.

وفي تصريح لـ"الحرة"، قالت ستيفاني دوش، مسؤولة الاتصالات الخارجية في كيبلر، إنها لا تستطيع تأكيد الجهة التي تسيطر على المضيق، وأشارت إلى أن عددا كبيرا من السفن باتت تستخدم المسار الإيراني وإن بعضها لا تستخدم أجهزة التتبع.

وفي مقابل عرقلة طهران للملاحة في الممر المائي، تحكم الولايات المتحدة حصارها على الموانئ الإيرانية. وأعلن الجيش الأمريكي الأربعاء إن طائرة هليكوبتر من طراز (إم.إتش-60) تابعة للبحرية الأمريكية أطلقت صاروخين من طراز (هيلفاير) لإعطاب معدات توجيه سفينة شحن ترفع علم بنما، كانت تبحر في خليج عمان متجهة لميناء إيراني.

وقالت القيادة المركزية الأمريكية في أحدث بيان إنه خلال الحصار على إيران وحتى 12 أغسطس قامت القوات الأمريكية بتغيير مسار 59 سفينة تجارية، وتعطيل 3 سفن، واعتلاء سفينتين لضمان الامتثال الكامل للحصار.

وتظهر هذه البيانات أن لدى الجيش الأمريكي قدرة هائلة على شل حركة الملاحة من وإلى الموانئ الإيرانية.

وتقول إليزابيث دينت، من معهد واشنطن، إن تصريح ترامب بشأن "السيطرة الكاملة على المضيق" يظهر أن الصراع برمته بات يتمحور حول مضيق هرمز، وأن واشنطن تنظر إليه باعتباره قضية أمنية بالغة الأهمية وأولوية قصوى للأمن القومي، لكن الواقع الميداني يشير إلى حالة من الجمود الشديد والتقلب.

وتضيف دينت أنه يكفي أن تطلق إيران مقذوفا واحدا باتجاه سفينة ما لتجعل المرور في مضيق هرمز غير آمن.

وتؤكد واشنطن على التزامها بحرية الملاحة غير المقيدة، ومعارضتها لأن تدعي دولة ما سيادة مطلقة لا ينازعها فيها أحد على هذا الممر المائي.

ولتنفيذ هذا الالتزام، تعتمد الولايات المتحدة على عمليات عسكرية مثل إزالة الألغام وفرض حصار بحري صارم على إيران لإجبارها على عدم عرقلة حركة التجارة الدولية، ثم التوصل إلى اتفاق أوسع.

يقول رافائيل كوهين، الخبير العسكري المتخصص في قضايا الشرق الأوسط في واشنطن، لـ"الحرة" إن تصريحات ترامب والمسؤولين الإيرانيين تكشف أن منع المرور عبر ممرر مائي ضيق ولا سيما أمام سفن الحاويات وناقلات النفط الضخمة والبطيئة نسبيا أسهل بكثير من الحفاظ على بقاء هذا الممر مفتوحا.

وهذا بالضبط ما تقوم به حاليا كل من الولايات المتحدة وإيران، أي منع الطرف الآخر إلى حد كبير من استخدام المضائق، مما يعني أن كلا الجانبين "يسيطر" على الممر المائي ولكن بالمعنى السلبي (أي القدرة على التعطيل)، وليس بمعنى إعادة فتح الممر لضمان التدفق الحر لحركة الملاحة البحرية.

وفي مقابلة نُشرت هذا الأسبوع، ألمح ترامب إلى أن حالة عدم اليقين قد تستمر لبعض الوقت، قائلا إنه قد يكتفي بـ "المضي قدما بهدوء" وترك طهران تنهار اقتصاديا، أو توجيه ضربة قوية جدا لها.

ويرى الأستاذ المشارك في سياسات الشرق الأوسط والسياسات الإسلامية في جامعة جورجتاون، نادر هاشمي، أن طهران تعتقد أنها تمتلك اليد العليا بعد أن تمكن النظام من البقاء على قيد الحياة، بينما يرى ترامب أن الضغط الاقتصادي المفروض عليها، والذي يساهم في انهيار اقتصادها، سيجبرها على العودة إلى طاولة المفاوضات.

وتطالب إيران قبل فتح المضيق برفع الحصار البحري والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة وإنهاء النزاعات في جميع أنحاء المنطقة، بما في ذلك لبنان وغزة.

وتشير هذه المطالب إلى أن الإيرانيين رفعوا السقف لدرجة جعلت شروطهم الحالية غير مقبولة بالنسبة للولايات المتحدة. وبالتالي، فرغم رغبة بعض الأطراف في إدارة ترامب في إبرام اتفاق، لا يستطيعون القيام بذلك ما لم تتوفر مساحة أكبر للمناورة والتفاوض، وفق كوهين.

وتعتقد دينت أن المفاوضات العمانية الإيرانية ربما تتكلل بالنجاح إذا كانت هناك ضمانة للحصول على اتفاق يدعم الأهداف الأمريكية الرامية إلى إتاحة حرية وأمان الملاحة للسفن التجارية، وهو ما قد يعود بالنفع على التجارة العالمية.

غير أنه من الواضح أن الإيرانيين "يتبنون موقفا متشددا بسبب مطالبهم، وأي اتفاق يمنح إيران سلطة التحكم في مسارات الملاحة أو الرسوم أو حق الوصول سيصطدم بالأهداف الأمريكية والإقليمية على حد سواء"، تقول دينت.

(هاني الفراش – شيبة الحمد عبدالرحمن)

الفيس بوك
تويتر

جميع الحقوق محفوظة YemenFreedom ---- تصميم وبرمجة ALRAJIHI