في اليوم الدولي لضحايا الاختفاء القسري..
منظمة "سام" تدعو لكشف مصير المخفيين ومساءلة المسؤولين
دعت منظمة "سام" للحقوق والحريات الحوثيين والحكومة اليمنية وجميع القوات والتشكيلات المسلحة والأمنية التي تدير أو أدارت أماكن احتجاز في اليمن إلى الكشف الفوري والكامل عن مصير جميع المخفيين قسرًا، وأماكن وجود المحتجزين ووضعهم القانوني، وإنهاء الاحتجاز بمعزل عن العالم الخارجي، وتمكين المحتجزين من التواصل المنتظم مع أسرهم ومحاميهم، ومساءلة المسؤولين عن الانتهاكات وإنصاف الضحايا وأسرهم.
وقالت المنظمة، بمناسبة اليوم الدولي لضحايا الاختفاء القسري، إن هذه الجريمة لم تعد انتهاكًا استثنائيًا مرتبطًا بمرحلة محددة من النزاع، بل تحولت خلال أكثر من عقد من الحرب إلى جزء من منظومة أوسع تشمل الاعتقال التعسفي والاحتجاز بمعزل عن العالم الخارجي والسجون غير القانونية والتعذيب وحرمان المحتجزين من الضمانات الأساسية وحماية القانون.
وحذرت "سام" من أن استمرار الاختفاء القسري وغياب مسار جاد لكشف الحقيقة والمساءلة والعدالة الانتقالية يهددان بترحيل ملف المخفيين إلى ما بعد الحرب، وتحويل معاناة أسرهم إلى إرث طويل الأمد.
وأوضحت المنظمة أن الأرقام المتاحة لا تكشف سوى جانب من حجم الظاهرة، مشيرة إلى أنها تحققت، وفق تقرير "الغيبة الطويلة"، من 270 حالة اختفاء قسري في سياق النزاع اليمني؛ نُسبت 187 حالة منها إلى جماعة الحوثي، و48 إلى قوات الحزام الأمني، و18 إلى قوات سعودية أو قوات موالية لها، و11 إلى قوات تابعة للحكومة اليمنية، و6 حالات إلى قوات المقاومة الوطنية في الساحل الغربي.
وأكدت «سام» أن هذه الأرقام لا تمثل إحصاءً نهائيًا للمخفيين قسرًا، بسبب صعوبة الوصول إلى مناطق متعددة، وعدم إبلاغ بعض الأسر عن الحالات خوفًا من الانتقام، وتعدد الجهات المسيطرة على أماكن الاحتجاز، وغياب جهة وطنية مستقلة تتولى حصر المخفيين والمفقودين والتحقق من بياناتهم.
وأضافت أن الاختفاء القسري لا يمثل إرثًا من السنوات الأولى للحرب فقط، مستشهدة باستمرار حالات الاعتقال والاحتجاز بمعزل عن العالم الخارجي خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك احتجاز موظفين في الأمم المتحدة والعاملين في المجال الإنساني.
كما أشارت إلى قضايا موثقة حديثًا، من بينها قضية الدكتورة أشواق سليمان الشميري، التي قالت إنها اعتُقلت من منزلها في صنعاء في نوفمبر/تشرين الثاني 2025 وظل مكان احتجازها غير معلن، وقضية حاتم علي جعيم العولقي في عدن، الذي توثق المنظمة غيابه القسري منذ أكتوبر/تشرين الأول 2016 دون حصول أسرته على معلومات مؤكدة بشأن مصيره.
وشددت "سام" على أن معالجة الملف لا يمكن أن تقتصر على إعداد قوائم بأسماء الضحايا، بل يجب أن تشمل كشف منظومة الاحتجاز نفسها، وتحديد الجهات التي أنشأت أماكن الاحتجاز وأدارتها، ومن أصدر أوامر الاعتقال والنقل، ومن منع الأسر والمحامين من الوصول إلى المحتجزين، إلى جانب حفظ السجلات والوثائق باعتبارها أدلة محتملة على الانتهاكات.
وأكدت المنظمة أن الأسرة ضحية أيضًا لجريمة الاختفاء القسري، إذ تقضي أمهات وآباء وزوجات وأبناء سنوات في البحث عن معلومات بشأن ذويهم، فيما يترتب على غياب المعيل آثار اقتصادية ونفسية واجتماعية ممتدة.
وقالت إن الحق في الحقيقة هو حق للضحية وللأسرة معًا، ولا يجوز مطالبة الأسر بانتظار نهاية الحرب أو اكتمال التسوية السياسية لمعرفة مصير أقاربهم، مؤكدة أن مرور الوقت يزيد الحاجة إلى كشف الحقيقة وحفظ الأدلة.
ورحبت "سام" بالإعلان عن صفقات لتبادل المحتجزين والمختطفين والمخفيين قسرًا، لكنها شددت على أن الإفراج عن المحتجزين حق للضحايا وليس منّة سياسية، محذرة من اختزال ملف المخفيين في عمليات تبادل الأسرى، لأن الكشف عن أماكن وجودهم ووضعهم القانوني واجب مستقل عن المفاوضات السياسية والعسكرية.
ودعت المنظمة إلى إنشاء سجل وطني موحد للمفقودين والمخفيين قسرًا، وآلية مستقلة للبحث عن المفقودين وحفظ الأدلة، وإغلاق جميع مرافق الاحتجاز غير القانونية، وفتح تحقيقات مستقلة وشفافة في حالات الاختفاء القسري والتعذيب والوفاة أثناء الاحتجاز، ومساءلة المسؤولين عنها.
كما طالبت المنظمة الحكومة اليمنية بالعمل على الانضمام إلى الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، وتجريم الاختفاء القسري بصورة واضحة ومستقلة في التشريع الوطني، وضمان وصول القضاء والنيابة والجهات الرقابية المستقلة إلى جميع مرافق الاحتجاز دون استثناء.
وأكدت "سام" أن العدالة الانتقالية لا ينبغي أن تنتظر توقيع اتفاق السلام، مشددة على أن التوثيق وحفظ الأدلة والبحث عن المخفيين وإشراك الأسر وحماية الشهود يمكن أن تبدأ أثناء النزاع.
وقالت إن الاختفاء القسري قد يرقى إلى جريمة ضد الإنسانية عندما يُرتكب في إطار هجوم واسع النطاق أو منهجي موجه ضد السكان المدنيين مع العلم بذلك، مشيرة إلى أن اليمن لا يزال خارج الدول الأطراف في الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري.
وأكدت "سام" على أن الاختفاء القسري جريمة مستمرة ما دام مصير الضحية أو مكان وجودها مجهولًا، وأن إنهاءها لا يبدأ فقط بوقف الحرب، بل بكشف الحقيقة وحفظ الأدلة ومساءلة المسؤولين وإنصاف الضحايا وجبر أضرارهم، وضمان ألا يتحول إخفاء الإنسان مجددًا إلى أداة أمنية أو سياسية في اليمن.