31 أغسطس 2026
31 أغسطس 2026
يمن فريدم-اندبندنت عربية


سخر بعضهم من تعيينه لمجرد جهلهم به، وشبّهه بعضهم الآخر ساخرين بكارل ماركس وأينشتاين، فيما تساءل عدد ثانٍ عن السر الكامن وراء هذا الغريب الذي حل فجأة في منصبه الرفيع بهيئته ولحيته الكثة وكأنه فيلسوف مهاب جاء من دفاتر عصر النهضة، هذا وكثير مما قيل وأثاره تعيين وزير التخطيط والتعاون الدولي اليمني الدكتور محمد الفقمي قبيل أيام في منصبه الجديد، خلفاً لأفراح الزوبة التي سبق وأوكلت إليها حقيبة الخارجية ضمن التعديل الذي جرى نهاية يوليو/ تموز الماضي في حكومة شايع الزنداني التي تتخذ من مدينة عدن عاصمة موقتة للدولة.

قارب الصيد

كانت القصة مثيرة لرحلة الرجل الآتي من سواحل فقم في عدن (جنوب اليمن)، حيث نشأ لأسرة فقيرة ارتبطت بالبحر، إذ كان يعمل مع والده على قارب صيد صغير مثقل بآمال المستقبل الواعد، لتنقله محطات الحياة لاحقاً من مهنة التدريس إلى دراسة العلوم السياسية التي دفعته إلى العمل الدبلوماسي في وزارة الخارجية والبعثة اليمنية لدى الأمم المتحدة في جنيف.

واللافت في الأمر أن الذين سخروا بداية من تعيين الفقمي تفاجأوا لاحقاً بسيرة علمية ومهنية بارزة للوزير المولود في عدن، استطاعت بسرعة أن تبدل نظرة حملات التنمر والتساؤلات التي انساقت مع موجة الاستغراب لمجرد الجهل بشخصيته غير المشهورة مسبقاً كأمر لم يعتَده اليمنيون أخيراً في مضمون التعيينات الحكومية المستندة بفعل الاستقطاب الحاد الذي تعيشه البلاد، إلى دوافع النفوذ والتقاسم السياسي وسط اتهامات بتغييب الكوادر الكفؤة والمؤهلة.

فالرجل الذي لم يعرفه كثيرون، سرعان ما كشفت سيرته عن كفاءة لافتة، فهو يتحدث الإنجليزية والألمانية والفرنسية، إضافة إلى لغته الأم.

واستند تعيينه إلى سيرة امتدت لأكثر من ثلاثة عقود قضاها في العمل الدبلوماسي، تنقل خلالها بين وزارة الخارجية والبعثات اليمنية في الخارج، وكان آخرها منصبه نائب المندوب الدائم لليمن لدى الأمم المتحدة في جنيف.

من الطفولة إلى التعليم

في مدارس عدن، حاز المركز الثاني على مستوى الجمهورية في الثانوية العامة وهي النتيجة التي فتحت له بوابة مرحلة جديدة في حياته، إذ شملته كشوف الابتعاث الدراسي إلى ألمانيا، لينتقل من بيئة القرية الساحلية إلى الدراسة، مدشناً مساراً أكاديمياً قاده لاحقاً إلى السلك الدبلوماسي.

في ألمانيا، درس اللغة الألمانية وتمكن من اجتياز مرحلة اللغة خلال عام واحد، قبل أن يلتحق بالدراسة الجامعية. وبحسب سيرته، كان تخصصه المبتعث من أجله العلوم الاجتماعية، لكنه طلب تغيير تخصصه إلى العلوم السياسية، باعتبارها الأقرب إلى اهتمامه بالعلاقات الدولية والقانون الدولي.

وحصل على الموافقة ودرس العلوم السياسية قبل أن يحصل على درجة البكالوريوس بتفوق، ثم واصل دراسته العليا وحصل على درجة الماجستير بامتياز.

وخلال سنوات إقامته في ألمانيا، عمل نحو عام ونصف في سفارة اليمن الديمقراطي، وهي التجربة التي منحته احتكاكاً مبكراً بالعمل الدبلوماسي، فضلاً عن دراسته الأكاديمية.

وعُين عام 1996 سكرتيراً أول في البعثة الدائمة لليمن لدى الأمم المتحدة، واستمر في المهمة حتى عام 2000.

وخلال وجوده في جنيف، واصل تطوير مؤهلاته، فالتحق بمعهد الأمم المتحدة للتدريب والبحوث وشارك في دورات متخصصة في مجالات عمله وحصل على شهادة زمالة ما بعد الماجستير.

الكفاءة تعمل في الصمت

وعقب حملات التنمر، جاءت تناولات بعض الكتّاب والمراقبين للحديث عما يُفترض على المجتمع البحث فيه وهو سيرته لا هيئته.

وفي جملة الشهادات لمن عرفه، جاءت الكتابات التي اعتبرت تعيينه انتصاراً للنزاهة والمهنية ويعيد الأمل للكوادر المستحقة بمعزل عن الشللية السياسية والاجتماعية السائدة، وتتويجاً عملياً بأن "لكل مجتهد نصيب" فعلاً لا قولاً.

ويقول الكاتب السياسي نشوان العثماني إن قصة الفقمي تلهمنا أن الكفاءة الحقيقية قد تعمل أعواماً في صمت بعيدة من الأضواء قبل أن تتحدث عنها منجزاتها حين تحين لحظة المسؤولية.

ويضيف خلال حديثه إلى "اندبندنت عربية" أن اسمه كان غير معروف على نطاق واسع قبل توزيره، "ولكن اللافت أن الذين عرفوه من قرب، قدموا عنه شهادات كبيرة أدهشت الجميع، وأجمعوا على كفاءته ونزاهته واجتهاده، وهنا تكمن قيمة هذا الاختيار".

ويمثل اختيار الفقمي وفق العثماني "في الـ68 من عمره، تعييناً مستحقاً نرجو أن يتحول إلى تجربة ناجحة وبداية أوسع لصعود الأكفاء والنزيهين ومن يملكون القدرة على الإنجاز إلى مواقع القرار".

وباعتباره الوزير العدني الوحيد في الحكومة الحالية، يرى العثماني أنها "دلالة لافتة للمدينة الأهم يمنياً بما تختزنه من كفاءات مدنية تستحق الحضور في مؤسسات الدولة وقيادتها"، متسائلاً "كيف يحضر الصراع على أرضية هذه المدينة بين الفرقاء شتى وتغيب كفاءاتها ويتلاشى حضورها كل مرة منذ زمن طويل وهي المدينة الاستثنائية كمجتمع يكاد يتفرد على نطاق واسع".

عودة وارتباط بسويسرا

بعد عودته لصنعاء، عمل الفقمي مستشاراً في مكتب وزير الخارجية لشؤون المنظمات الدولية وأوروبا، ثم مديراً لمكتب وكيل وزارة الخارجية لشؤون المنظمات الدولية وأوروبا والأمريكتين.

وعام 2004، عاد مجدداً لجنيف، مسؤولاً عن الشؤون الاقتصادية والعلاقات الثنائية مع سويسرا في البعثة الدائمة لليمن لدى الأمم المتحدة، واستمر في مهمته حتى عام 2008.

وفي 2012، عُين قائماً بأعمال المندوب الدائم لليمن لدى الأمم المتحدة.

ورُقّي لاحقاً إلى درجة سفير، وتولى منصب نائب المندوب الدائم لليمن لدى الأمم المتحدة في جنيف، مسؤولاً عن عدد من الملفات الإنسانية والحقوقية والثنائية.

واليوم، يحمل الفقمي منصبه بخبرة دبلوماسية، ناقلاً إلى المجتمع الدولي هم بلاده التي أثقلتها أعوام الصراع، على أمل أن يسهم في استعادة السفينة من حال التوهان في أمواج الخلاف المتلاطم لبر الأمان المنتظر.

(توفيق الشنواح)
 

الفيس بوك
تويتر

جميع الحقوق محفوظة YemenFreedom ---- تصميم وبرمجة ALRAJIHI