يقف الاقتصاد الإيراني عند نقطة لم يعد فيها الاختلاف ببضع نقاط مئوية في معدل التضخم هو القضية الأهم، فالبيانات الرسمية وتطورات سوق الصرف، والقيود المفروضة على التجارة الخارجية، وتحذيرات خبراء الاقتصاد، تشير إلى أن المستوى العام للأسعار سيشهد، حتى في أكثر السيناريوهات تفاؤلاً، ارتفاعاً ملحوظاً حتى نهاية العام، وفي الوقت الراهن، يتمثل السؤال الرئيس في مدى قدرة الأسرة الإيرانية على تحمل الموجة الجديدة من ارتفاع الأسعار.
ورسمت صحيفة "دنياي اقتصاد"، في تقرير نشرته السبت 29 أغسطس/ آب الجاري، ثلاثة مسارات مختلفة للتضخم حتى نهاية العام الإيراني الحالي، تشير إلى تفاقم الأوضاع في ظل استمرار العقوبات الراهنة، ولا يترك ارتفاع معدل التضخم الشهري خلال شهر مرداد الماضي وفق التقويم الإيراني الشمسي والذي يوافق من 23 يوليو/ تموز إلى 23 أغسطس، إلى جانب استمرار الاتجاه التصاعدي للتضخم منذ بداية العام، آفاقاً واضحة لإمكان السيطرة عليه.
وبحسب تقرير مركز الإحصاء الإيراني، بلغ التضخم الشهري في شهر مرداد 3.4%، فيما وصل التضخم على أساس سنوي، مقارنة بالشهر نفسه من العام السابق، إلى 89%، أما البنك المركزي، فقد احتسب التضخم الشهري عند 3.7%، والتضخم على أساس سنوي عند 84.4%، ولا يغير التباين بين المؤسستين الصورة العامة: فالاقتصاد الإيراني لا يزال في نطاق غير مسبوق تقريباً من التضخم المرتفع.
ويرى محللون اقتصاديون أنه إذا ظل متوسط التضخم الشهري عند 6.4%، فإن التضخم على أساس سنوي في إسفند، الشهر الأخير من العام الإيراني وفق التقويم الشمسي والذي يوافق من 21 فبراير/ شباط إلى 21 مارس/ آذار 2027، سيصل إلى نحو 99.2%.
وفي السيناريو المتوسط، أو حالة "لا حرب ولا سلم"، ومع متوسط تضخم شهري يبلغ 4.8%، سيصل التضخم على أساس سنوي في نهاية العام إلى نحو 80.3%، أما في السيناريو الأكثر تفاؤلاً، أي استمرار وقف إطلاق النار وتراجع التوترات، ومع متوسط تضخم شهري يبلغ 3.2%، فيقدر أن يظل التضخم على أساس سنوي في شهر إسفند عند نحو 61.7%.
وبعبارة أخرى، يتراوح النطاق المطروح حالياً للتضخم في نهاية العام بين نحو 62 و99%، وهي فجوة كبيرة للغاية ترتبط، أكثر من ارتباطها بالسياسات النقدية التقليدية، بالتطورات السياسية والأمنية، والتجارة الخارجية، وسعر الصرف، ومآلات التوترات الإقليمية.
من الدولار وعجز الموازنة إلى تراجع التجارة.. ما الذي يدفع التضخم إلى الارتفاع؟
لا ينتج التضخم في إيران اليوم من عامل واحد، بل إن عدة محركات للتضخم تعمل في الوقت نفسه، من بينها نمو السيولة وعجز الموازنة، والاختلالات في النظام المصرفي، والقفزة في سعر الصرف، وتراجع الإيرادات من العملات الأجنبية، وكذلك تزايد صعوبة التجارة الخارجية، وارتفاع تكاليف الاستيراد، واختلال التوازن في قطاع الطاقة، وتراجع القدرة الإنتاجية، والأهم من ذلك كله تصاعد حالة عدم اليقين حيال المستقبل.
وفي اقتصاد مثل الاقتصاد الإيراني، يعد سعر الصرف أحد أسرع القنوات التي تنتقل عبرها الضغوط إلى أسعار المستهلك، فارتفاع سعر العملات الأجنبية لا يؤدي فقط إلى زيادة أسعار السلع النهائية المستوردة، بل يؤثر أيضاً في أسعار المواد الأولية والآلات وقطع الغيار والمعدات، فضلاً عن تكاليف تعويض مخزون الشركات، وعندما لا يكون الفاعل الاقتصادي على يقين من السعر الذي سيشتري به العملات الأجنبية أو المواد الأولية أو السلع المستوردة بعد ثلاثة أشهر، فإنه يحدد أسعار اليوم استناداً إلى التكلفة المحتملة في المستقبل.
وإلى جانب عامل سعر الصرف، أصبحت القيود المفروضة على التجارة الخارجية عاملاً حاسماً، فقد أقر الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، مساء الجمعة الماضي، في مقابلة تلفزيونية، صراحة بأن صادرات إيران ووارداتها تراجعت بنسبة تراوح بين 25 و35%، وأوضح أن إغلاق الطرق وصعوبة استخدامها جعلا التجارة أكثر كلفة، وأن السلع التي كانت تستورد في السابق مباشرة عبر السفن بات يتعين إدخالها الآن عبر مسارات أكثر تعقيداً، كذلك أكد الرئيس أن استمرار العقوبات يعني ارتفاع التكاليف ومزيداً من الغلاء.
ويكتسب هذا الإقرار أهمية كبيرة من منظور التضخم، فتراجع الصادرات يعني انخفاض إيرادات العملات الأجنبية وزيادة الضغوط على سوق الصرف، فيما يؤدي انخفاض الواردات إلى الحد من المعروض من السلع والمواد الأولية ومعدات الإنتاج، ويشكل تراجع المعروض من العملات الأجنبية، بالتزامن مع ارتفاع تكاليف تأمين السلع، الظروف ذاتها التي تحول الصدمة الخارجية إلى تضخم داخلي.
وثمة مسألة أخرى تتمثل في أن التحذيرات من وصول الاقتصاد الإيراني إلى هذه الأوضاع ليست جديدة، فقد كان وحيد شقاقي شهري من بين الاقتصاديين الذين حذروا، منذ عام 2025، من المسار الخطر للتضخم، إذ قال في وقت سابق، إن مجمل الاختلالات في الاقتصاد الكلي، بدءاً من عجز الموازنة والنظام المصرفي، وصولاً إلى صناديق التقاعد والمياه والطاقة، ستدفع الاقتصاد، إذا لم تجر السيطرة عليها، نحو تضخم ثلاثي الأرقام خلال عامي 2026 و2027، كذلك حذر من ركود حاد وتفاقم عجز الموازنة.
وطرح مسعود نيلي، في يونيو/ حزيران الماضي، تحذيراً أكثر جدية، وأوضح خلال مؤتمر "آفاق الاقتصاد الإيراني 2026" أن ثمة مرحلة بين التضخم المزمن والتضخم المفرط، يمكن وصفها بـ "التضخم المرتفع جداً" أو "التضخم الحاد"، وهي في الواقع المحطة التي تسبق التضخم المفرط، ويرى نيلي أن الاقتصاد الإيراني دخل نطاقاً لم تعد فيه مشكلة التضخم مجرد امتداد للتضخم المزمن الذي شهدته الأعوام الماضية، بل إن طبيعة الأزمة نفسها آخذة في التغير.
وتكتسب هذه التحذيرات أهمية أكبر عند إدراك أن انتهاء الحرب أو تراجع التوتر السياسي لا يعنيان بالضرورة قدرة الاقتصاد على العودة فوراً إلى الأوضاع الطبيعية، فبعض صدمات سعر الصرف والتضخم، بمجرد حدوثها، تترسخ في الأسعار، كذلك فإن انخفاض معدل التضخم لا يعني عودة الأسعار إلى مستوياتها السابقة.
عندما لا يصدق الناس تراجع التضخم.. دوامة التوقعات التضخمية
تتمثل إحدى أخطر سمات الوضع الراهن في ما يسميه الاقتصاديون "التوقعات التضخمية"، فالتضخم ليس نتاج الارتفاع الفعلي في التكاليف فحسب، بل إن توقع ارتفاع الأسعار مستقبلاً يمكن أن يتحول، في حد ذاته، إلى عامل يدفع أسعار اليوم إلى الارتفاع.
فعندما تتوقع الأسرة انخفاض قيمة أموالها، يتراجع الحافز للاحتفاظ بالريال، ويزداد الطلب على العملات الأجنبية والذهب والسلع المعمرة أو غيرها من الأصول، كذلك، عندما يتوقع المنتج أو البائع ارتفاع تكلفة تعويض السلعة المبيعة مستقبلاً، فإنه يحدد سعرها الحالي عند مستوى أعلى، ويطالب العامل والموظف بزيادة أكبر في الأجور، فيما تنقل الشركات ارتفاع تكلفة العمالة إلى أسعار منتجاتها، وفي مثل هذه الظروف، تصبح توقعات التضخم جزءاً من آلية توليد التضخم نفسه.
وتزداد مشكلة حكومة بزشكيان تعقيداً عند هذه النقطة تحديداً، فبعد أشهر من ارتفاع أسعار العملات الأجنبية والسلع، لم يعد المجتمع يغير توقعاته لمجرد وعود بخفض التضخم، وعندما يكون الناس قد عايشوا مراراً ارتفاع سعر الصرف وعجز الموازنة وأزمة الطاقة وتراجع القدرة الشرائية وارتفاع أسعار السلع الأساسية، يصبح لزاماً على صانع السياسة، لاستعادة الثقة، تقديم مؤشرات قابلة للقياس على تحقيق الاستقرار.
ونتيجة لذلك، يتحول عجز الحكومة عن السيطرة المستدامة على التضخم إلى جزء من المشكلة نفسها، فإذا لم يثق المواطنون والفاعلون الاقتصاديون بقدرة الحكومة على السيطرة على أوجه العجز أو سوق الصرف أو الصدمات الخارجية، فإن مجرد خبر سياسي سلبي قد يؤدي إلى موجة من الطلب الاحترازي.
ولهذا، فإن الفارق بين سيناريو التضخم البالغ 61.7% والسيناريو البالغ 99.2% ليس مجرد فارق إحصائي، بل تقف خلف هذين الرقمين صورتان مختلفتان تماماً للسلوك الاقتصادي للمجتمع، ففي سيناريو تراجع التوترات، ثمة إمكانية لهدوء سوق الصرف وتباطؤ وتيرة التسعير الاحترازي، أما في سيناريو تصاعد التوترات، فإن دورة سعر الصرف والتوقعات وارتفاع تكاليف الاستيراد وزيادة الأسعار يمكن أن يعزز بعضها بعضاً.
القضية النهائية ليست نسبة التضخم... إلى أي مدى يستطيع المجتمع التحمل؟
في نهاية المطاف، قد لا يكون السؤال الأهم الذي يواجه الاقتصاد الإيراني خلال الفترة الممتدة من أواخر سبتمبر/ أيلول 2026 إلى أواخر مارس/آذار 2027، ما إذا كان التضخم على أساس سنوي سيبلغ في مارس المقبل 62% أو 80%، أو سيصل إلى حدود 100%، بل إن القضية الأكثر أهمية تتمثل في مدى قدرة المجتمع على الصمود اقتصادياً واجتماعياً في مواجهة الارتفاع المتتالي للأسعار.
وبحسب أحدث الإحصاءات المعلنة للفترة من 23 يوليو/ تموز إلى 23 أغسطس/ آب، بلغ التضخم على أساس سنوي للمواد الغذائية 128%، وهو ما يعكس بوضوح حجم أزمة المعيشة في إيران، فالتضخم المرتفع خلال عام واحد يحمل معنى معيناً في اقتصاد تتمتع فيه الأسر بقدرة شرائية مرتفعة، لكنه يحمل معنى مختلفاً تماماً في اقتصاد عانى تضخماً حاداً على مدى أعوام متتالية، إذ تأتي كل موجة جديدة من الغلاء لتصيب مجتمعاً فقد بالفعل جزءاً من قدرته الشرائية، ولذلك فإن الآثار الاجتماعية للتضخم لا تتزايد بصورة خطية.
ويعني اقتراب التضخم من 100% تضاعف مستوى الأسعار تقريباً مقارنة بالعام السابق، في حين أن دخول كثير من الأسر لا ترتفع بالوتيرة نفسها، ومن هذه الزاوية، يكتسب التحذير الأخير لوزير الاقتصاد في حكومة إبراهيم رئيسي، إحسان خاندوزي، دلالته، إذ حذر من احتمال تجدد الاحتجاجات في الشوارع خلال الأشهر المقبلة، وهو احتمال لا ينبغي استبعاده في ضوء الأزمة المعيشية الراهنة.
وشهدت احتجاجات الأعوام الماضية، في بعض الحالات، عوامل مشتركة، فقد أظهر رفع أسعار البنزين في نوفمبر/ تشرين الثاني 2019 أنه عندما تتراكم الضغوط الاقتصادية، يمكن لقرار يتعلق بتغيير الأسعار أن يكتسب أبعاداً تتجاوز أثره الاقتصادي المباشر، ولهذا، فإن تعديل أسعار البنزين أو سعر الصرف التفضيلي أو غيرها من الأسعار الأساسية، في الظروف الراهنة، لا يمثل مجرد مسألة حسابية تتعلق بموازنة الحكومة.
كذلك انطلقت الشرارات الأولى للتجمعات والاحتجاجات في الشوارع، خلال ديسمبر/ كانون الأول 2025 ويناير/ كانون الثاني 2026، في ظل وضع مشابه من تقلبات سعر الدولار، التي أدت عملياً إلى توقف النشاط في أسواق اقتصادية مختلفة، ومن ثم، فإن تزامن الظروف الحالية، المتمثلة في الارتفاع المفاجئ لسعر الصرف إلى جانب الاحتمال القوي لرفع أسعار البنزين، يجمع بين عاملين أسهما في اندلاع احتجاجين واسعين على الأقل في إيران.
وتواجه الحكومة حالياً جملة من القيود في آن واحد، فمن جهة، تحتاج إلى تعديل بعض الأسعار للحد من عجز الموازنة واختلال التوازن في قطاع الطاقة، ومن جهة أخرى، يمكن أن يؤدي رفع أسعار حوامل الطاقة إلى موجة جديدة من التوقعات التضخمية، وفي الوقت نفسه، أدى تراجع التجارة الخارجية بنسبة تراوح بين 25 و35%، وهو ما أقر به الرئيس، إلى زيادة الضغوط على موارد العملات الأجنبية وتأمين السلع، كذلك لا تزال سوق الصرف شديدة الحساسية تجاه التطورات السياسية والأمنية، فيما لا يزال حتى السيناريو الأكثر تفاؤلاً للتضخم يشير إلى تضخم على أساس سنوي يتجاوز 60%.
وعليه، لا يمكن اختزال قضية النصف الثاني من العام في جدول لمعدلات التضخم فحسب، فإذا تحقق السيناريو المتفائل، سيظل الاقتصاد الإيراني يواجه تضخماً مرتفعاً للغاية، وإذا استمرت حالة "لا حرب ولا سلم"، فإن تضخماً على أساس سنوي يبلغ نحو 80% قد يفاقم الضغوط المعيشية، أما إذا تصاعدت مجدداً التوترات السياسية والقيود على التجارة الخارجية وصدمة سعر الصرف، فإن سيناريو اقتراب التضخم على أساس سنوي من 100% لن يعود مجرد تحذير نظري.
وفي ظل هذه الظروف، ربما لا يكون السؤال الحاسم الموجه إلى حكومة بزشكيان كم ستبلغ نسبة التضخم في نهاية العام الإيراني، الذي يوافق شهر مارس/ آذار 2027؟ بل ينبغي أن يكون: إلى أي مدى سيتراجع الدخل الحقيقي للأسرة الإيرانية مجددا بحلول مارس 2027، وإلى أي حد سيتمكن المجتمع من تحمل ارتفاع تكاليف السكن والغذاء والنقل والعلاج وسائر الحاجات اليومية؟
وقد حذر الاقتصاديون على مدى سنوات من عجز الموازنة ونمو السيولة والاختلالات المصرفية واختلال التوازن في قطاع الطاقة، وخلال العام الماضي، أصبحت التحذيرات من احتمال دخول الاقتصاد الإيراني مرحلة التضخم المفرط أكثر وضوحاً وصراحة، واليوم، بات جزء من تلك التحذيرات ظاهراً في الإحصاءات الرسمية.
ومن الآن فصاعداً، لم يعد التضخم مجرد مؤشر اقتصادي، بل تحول إلى مؤشر لقياس القدرة الشرائية والثقة العامة وقدرة المجتمع الإيراني على الصمود.
(داريوش معمار)