2 سبتمبر 2026
1 سبتمبر 2026
يمن فريدم-الحرة


انتشرت الأعلام المصرية والصينية على الطرق في القاهرة والجيزة، وفي محيط مطار القاهرة الدولي وبالقرب من المتحف المصري الكبير، استعدادا لوصول الرئيس الصيني شي جين بينغ اليوم الثلاثاء.

وتتزامن زيارة شي الرسمية، التي تستمر ثلاثة أيام وتعد الأولى له إلى مصر منذ عام 2016، مع الذكرى السبعين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.

وكانت مصر أول دولة عربية وأفريقية تقيم علاقات مع جمهورية الصين الشعبية عام 1956.

وتتيح هذه الذكرى للحكومتين فرصة لتسليط الضوء على شراكة اتسع نطاقها ليشمل البنية التحتية والتجارة والاتصالات وتكنولوجيا الفضاء والدفاع والذكاء الاصطناعي. لكن وراء الاحتفالات الرسمية يبرز سؤال أكثر عملية: لماذا أصبحت مصر بهذه الأهمية بالنسبة إلى الصين؟

تكمن الإجابة في مزيج من الموقع الجغرافي، والوصول إلى الأسواق، والنفوذ الإقليمي. فمصر، التي يزيد عدد سكانها على 100 مليون نسمة، تمتلك قناة السويس وتقع عند ملتقى إفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا وآسيا.

وبالنسبة إلى الشركات الصينية، تمثل مصر سوقا كبيرة وقاعدة محتملة للتصنيع والخدمات اللوجستية للوصول إلى دول أخرى.

وقال هنري توغندهات، الباحث البارز في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، لـ"الحرة": "شي جين بينغ لا يسافر كثيرا. وحقيقة أن هذه زيارته الثانية إلى مصر أمر له دلالة مهمة".

وأشار توغندهات إلى أن القاهرة تمثل وجهة مواتية لأسباب أخرى أيضا. فالرحلة تتيح لشي زيارة منطقة شرق أوسط متوترة من دون أن يبدو منحازا إلى إيران أو إلى شركاء الصين في الخليج، وفي الوقت نفسه توثيق العلاقات مع دولة تربط بكين بها علاقات سياسية قديمة.

حضور صيني واضح

يتجلى حضور الصين في مصر في بعض من أكبر المشروعات في البلاد. فقد تولت شركة إنشاءات صينية مملوكة للدولة بناء منطقة الأعمال المركزية في العاصمة الإدارية الجديدة، بما في ذلك البرج الأيقوني، أطول مبنى في إفريقيا.

كما شاركت شركات صينية في مشروع القطار الكهربائي الخفيف الذي يربط القاهرة بالعاصمة الإدارية الجديدة ومدينة العاشر من رمضان، وهي التجمع الصناعي الواقع شمال شرقي العاصمة.

وفي المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، استقطبت منطقة التعاون الاقتصادي والتجاري بين الصين ومصر "تيدا" أكثر من 200 شركة، ووفرت أكثر من 10 آلاف فرصة عمل مباشرة حتى نهاية يونيو، وفقا لأرقام رسمية أوردتها وكالة أنباء شينخوا الصينية.

وتمنح المنطقة الشركات الصناعية الصينية إمكانية الوصول إلى الموانئ المصرية، كما تتيح للمنتجات المصنّعة محليا الوصول إلى الأسواق الإفريقية والعربية والأوروبية بموجب الاتفاقيات التجارية التي أبرمتها مصر. كذلك تضع الشركات الصينية على مقربة من أحد أهم مسارات الشحن البحري في العالم.

لكن العلاقة الاقتصادية بين بكين والقاهرة بعيدة كل البعد عن التوازن.

فخلال الأشهر الستة الأولى من عام 2026، استوردت مصر من الصين سلعا بقيمة 10.438 مليار دولار، في حين بلغت صادراتها إلى الصين نحو 600 مليون دولار، وفقا لأرقام نشرتها "الشرق بزنس". ويعني ذلك أن العجز التجاري المصري نحو الصين بلغ نحو 9.84 مليار دولار.

وقال توغندهات: "هذا اختلال تجاري هائل".

وأضاف أنه رغم سعي مصر على الأرجح إلى الحصول على فرص أكبر لدخول السوق الصينية، فإنها تواجه صعوبة في منافسة الشركات الصينية التي تستفيد من ضخامة حجمها الصناعي، وتمويل الصادرات المدعوم حكوميا، وانخفاض تكاليف الاقتراض.

وقال توغندهات: "لا يلوح في الأفق الكثير مما تستطيع مصر فعله لعكس هذا الاختلال بصورة ملموسة"، مضيفا أن الأسواق الإفريقية الإقليمية قد توفر للمصنّعين المصريين فرصا أفضل من السوق الصينية نفسها.

استثمار أم إقراض؟

يقدّر مسؤولون في قطاع الأعمال المصري إجمالي الاستثمارات الصينية المتراكمة في البلاد بنحو 10 مليارات دولار، فيما بلغ عدد الشركات الصينية المسجلة 3.971 شركة بنهاية يونيو 2026.

غير أن أرقام تدفقات الاستثمار الفعلية ترسم صورة أكثر محدودية. فقد بلغ صافي الاستثمار الأجنبي المباشر الصيني في مصر 226.5 مليون دولار عام 2025، بما يمثل نحو 1.5% من إجمالي صافي الاستثمار الأجنبي المباشر في مصر.

وبلغت تدفقات رؤوس الأموال الصينية خلال النصف الأول من عام 2026 نحو 24.8 مليون دولار، انخفاضا من 29.75 مليون دولار خلال الفترة نفسها من عام 2025.

وتقيس هذه الأرقام أمورا مختلفة - الاستثمارات المتراكمة، والشركات المسجلة، وصافي التدفقات السنوية - لكن الفجوة بينها توضح لماذا لا تتحول المشروعات المعلنة دائما إلى رؤوس أموال تدخل مصر على الفور.

كما حذر توغندهات من وصف كل مشروع ممول من الصين بأنه استثمار.

وقال: "الصين تقرض الكثير من الأموال. وهذا يختلف عن الاستثمار. إنه إقراض، وهم يتوقعون استرداد أموالهم".

وأضاف أن تمويل الصين لمشروعات البنية التحتية غالبا ما يكون مرتبطا باستخدام مقاولين وآلات ومدخلات أخرى صينية.

وفي مايو، وافقت مصر على قرض ميسر بقيمة 200 مليون دولار من بنك التصدير والاستيراد الصيني لتمويل المرحلة الثالثة من مشروع سكة حديد العاشر من رمضان. ويبلغ سعر الفائدة على القرض 2% ، وتصل مدة استحقاقه إلى 20 عاما، مع فترة سماح مدتها خمس سنوات، على أن يتم سداده باليوان الصيني.

ويوفر هذا الترتيب لمصر بنية تحتية وتمويلا طويل الأجل، لكنه يضمن أيضا أعمالا للبنوك والمقاولين وموردي المعدات الصينيين.

من الأقمار الاصطناعية إلى الذكاء الاصطناعي

انتقلت الشراكة بصورة متزايدة إلى قطاعات تنطوي على أبعاد استراتيجية وأمنية.

ساعدت الصين في تمويل منشأة لتجميع الأقمار الاصطناعية واختبارها في مصر، كما دعمت القمر الاصطناعي للاستشعار عن بُعد "مصر سات-2"، الذي أُطلق من الصين في ديسمبر 2023. ويقول مسؤولون مصريون إن المشروع أسهم في نقل المعرفة التقنية ومنح مصر قدرات محلية أكبر.

لكن وكالة رويترز أفادت بأن جزءا كبيرا من عملية تصنيع القمر الاصطناعي جرى في الصين، وأن مهندسين صينيين ظلوا مشاركين في العمل بمدينة الفضاء المصرية.

وقال رئيس وكالة الفضاء المصرية إن بيانات القمر الاصطناعي مملوكة لمصر، وإن وجود المهندسين الصينيين كان بهدف تركيب المعدات وتدريب الموظفين المصريين.

كما توسع التعاون التكنولوجي من خلال اتفاقيات تشمل "هواوي" و"زد تي إي" وشركات صينية أخرى. وتغطي هذه الاتفاقيات الحوسبة السحابية، ومعدات الاتصالات، ونموذجا للذكاء الاصطناعي باللغة العربية، وأبحاث تصميم الرقائق الإلكترونية، والتدريب التقني.

واقترحت "هواوي" بشكل منفصل إنشاء بنية تحتية لمراكز بيانات الذكاء الاصطناعي لصالح الحكومة المصرية. وأفادت "بلومبرغ" بأن المشروع قد يشمل تطبيقات عسكرية وأخرى للمراقبة واستخدامات في قطاعات حكومية أخرى.

وتواصلت وزارة الخارجية الأمريكية مع شركات "إنفيديا" و"إيه إم دي" و"مايكروسوفت" بشأن إعداد بديل أمريكي محتمل.

وقال توغندهات، في معرض حديثه عن البنية التحتية الرقمية الاستراتيجية: "واشنطن تهتم، والصين تهتم. وكلاهما ينظر إلى هذا باعتباره لعبة محصلتها صفر".

وقال إن واشنطن تكون أكثر ميلا إلى التدخل عندما يتعلق الحضور الصيني ببنية تحتية حساسة، مثل أنظمة الذكاء الاصطناعي أو الاتصالات أو الموانئ.

وأضاف: “إذا كنا نتحدث عن مراكز بيانات للذكاء الاصطناعي، فإن الولايات المتحدة تريد المنافسة. أما إذا كنا نتحدث عن ألواح شمسية أو خدمات إنشاءات، فقد لا يكون الأمر كذلك.”

علاقات أمنية من دون أن تحل بكين محل واشنطن

أصبح التعاون العسكري أيضا أكثر وضوحا. فقد أجرت مصر والصين أول مناورة جوية مشتركة بينهما عام 2025، وأتبعتاها بمناورة أخرى عام 2026 شاركت فيها طائرات مقاتلة من البلدين.

وحذر توغندهات من النظر إلى هذه المناورات أو مبيعات الأسلحة الصينية باعتبارها دليلا على أن القاهرة تستبدل بكين بواشنطن.

فمصر تسعى منذ وقت طويل إلى الحصول على الأسلحة من موردين متعددين، من بينهم الولايات المتحدة وفرنسا وروسيا والصين. ولا تزال علاقتها العسكرية والأمنية مع واشنطن أوسع بكثير من علاقاتها الدفاعية مع بكين.

وقال توغندهات: "تقريبا كل دولة في المنطقة تريد علاقة عملية مع كل من الولايات المتحدة والصين، لأنها تحصل على أشياء مختلفة من كل واحدة من هاتين العلاقتين".

وأوضح أن الصين توفر السلع والبنية التحتية والتمويل التي تحتاج إليها دول المنطقة، بينما تظل الولايات المتحدة مصدرا رئيسيا للمساعدات العسكرية والاستثمار والضمانات الأمنية.

صياغة السردية

تمتد استراتيجية الصين أيضا إلى ما هو أبعد من العقود ومشروعات البنية التحتية. فقد استثمرت بكين في وسائل الإعلام الناطقة بالعربية، والتبادلات الثقافية، والمنح الدراسية، وتعليم اللغة الصينية.

وقال توغندهات إن وسائل الإعلام الحكومية الصينية، ومنها وكالة "شينخوا" وشبكة "CGTN"، تتيح محتواها مجانا للمؤسسات الإعلامية المحلية التي قد تفتقر إلى مراسلين داخل الصين أو إلى المعرفة المتخصصة بشؤونها.

وقال إن الصين تعمل فعليا على "إغراق الساحة بمحتواها الخاص"، مما يتيح لبكين ممارسة نفوذ أكبر على الطريقة التي تُعرض بها سياساتها ومشروعاتها في الخارج.

وبالنسبة إلى مصر، توفر العلاقة بنية تحتية ومعدات وتمويلا وشريكا إضافيا من القوى الكبرى. أما بالنسبة إلى الصين، فتوفر مصر سوقا استهلاكية كبيرة، وقاعدة بالقرب من قناة السويس، وإمكانية الوصول إلى الأسواق الإقليمية، ونقطة دخول إلى قطاعات استراتيجية تمتد من الأقمار الاصطناعية إلى الذكاء الاصطناعي.

ولن يكون مقياس نجاح هذه الشراكة هو عدد الاتفاقيات التي يُعلن عنها خلال زيارة شي، بل ما إذا كانت هذه الاتفاقيات ستزيد الإنتاج والصادرات والقدرات التقنية المصرية، أم ستعمق علاقة تواصل فيها السلع والتمويل والتكنولوجيا الصينية التدفق إلى حد كبير في اتجاه واحد.

(أحمد الفقيه)
 

الفيس بوك
تويتر

جميع الحقوق محفوظة YemenFreedom ---- تصميم وبرمجة ALRAJIHI