25 يونيو 2024
3 مايو 2024
يمن فريدم-خاص-عدنان الراجحي
صحفيون ومصورون يمنيون خلال وقفة تضامنية بعد مقتل أحد مراسل القنوات الفضائية


يحتفل الصحافيون حول العالم في الثالث من مايو من كل عام بـ "اليوم العالمي لحرية الصحافة" وهذا اليوم له أهمية كبيرة في حياة الصحفيين الذي يعيشون واقعا له هامش كبير من الحريات وممارسة هذه المهنة دون قيود أو رقابة، خاصة في الدول المتقدمة، إلا أن هذا اليوم بالنسبة للصحافيين في اليمن هو تذكير بحجم الانتهاكات، وآلة القمع المميتة التي يواجهونها خلال مسيرتهم.

وخلفت الحرب في البلاد عواقب وخيمة على الصحافة، وتعرض الصحافيين لشتى وسائل التضييق والملاحقات والقتل والتعذيب النفسي والجسدي، ومع تفاقم الحرب وغياب مؤسسات الدولة المعنية بحماية الحقوق والحريات، أصبح الصحافي يواجه تحديا صعبا في أداء عمله، حيث تحوّل إلى "عدو" لأطراف الحرب إذا لم يكن في صفوفها.

اليمن في قائمة الحريات الصحفية

تراجع اليمن بشكل كبير في مؤشر الحريات الصحفية على مستوى العالم، ما أعطى صورة واضحة أن البلد يشهد تدهور حادا في الحريات الصحافية ويضع الصحافة اليمنية على المحك.

وبحسب منظمة مراسلون بلا حدود فإن اليمن يحتل اليمن المرتبة (168) بحسب تنصيف العام 2023، فيما احتل المرتبة (169) في العام 2022، وحلّ في المرتبة (169) بعد أن كان في المرتبة (167) في تصنيف 2020. وهذا التصنيف يجعل البلاد ضمن البلدان الأكثر خطورة على الصحافيين والصحافة.

وبحسب احصائية نقابة الصحافيين فإن (49) صحافيا قتلوا منذ بدء الحرب، وهي إحصائية تعد ضمن القوائم الكبرى لعدد الصحافيين الذين قتلوا في الحروب على مستوى العالم.

الصحافيون بعيون الأطراف المنتهكة

ثمة واقع خطير بالنسبة للصحافيين العاملين داخل اليمن، وهذا الواقع يكشف حقيقة ما يعانيه أصحاب هذه المهنة التي جلبت لهم انتهاكات لا حصر لها خاصة مع سنوات الحرب.

وتتفاوت هذه الانتهاكات بين مناطق الشمال التي تخضع لسيطرة الحوثيين، ومناطق الجنوب الخاضعة لسيطرة الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا وباقي المكونات التي تنضوي تحت رايتها، إلا أنه يُسجل كـ "إنتهاك" بحق الصحافيين أيا كان حجمه وضرره.

الصحافي يونس عبدالسلام، هو أحد الصحفيين الذين قبعوا في غياهب سجون الحوثيين أكثر من عام وتعرض لشتي أنواع التعذيب الجسدي والنفسي، يتحدث يونس لـ "يمن فريدم" عن واقع الحريات الصحافية في اليمن، وركّز حديثه عن الصورة التي كُرّست حول الصحافي في مناطق سيطرة الحوثيين وقال " في معزل عن الأرقام التي تظهر لك حجم الرعب الذي تعيشه الصحافة والصحافيين في اليمن، وبالأخص في مناطق سيطرة الحوثيين، رغم اهمية الأمر، لكن ثمة شيء أخطر. الأعوام الماضية تم تكريس صورة تجعل الصحافي اليمني مدان كمجرم، مساواته بمقاتل في صف هذي الجماعة أو تلك، والتعامل معه على هذا الأساس".

يعتقد الصحافي يونس أنه لم يعد ثمة مجال للعمل الصحافي في اليمن، ولا مستقبل يمكن تحديد ملامحه أو المطالبة به، معتبرة أنه "انعكاس للحاضر وسلطات الحكم في مناطق اليمن"، مشددًا على أهمية أظهار القصص للعلن، وأن تدان الانتهاكات المروعة التي يتعرض لها الصحافيين.

ونبّه يونس في حديثه إلى موضوع بالغ الأهمية ويتعلق بما وصفه "أدلجة الصحافيين"، وقال "يتم اليوم، وبعد صفقات الإفراج عن صحافيين مقابل جنود، يتم أدلجة الصحافيين بالترغيب والترهيب واستخدامهم وأقلامهم لصالح هذا الطرف أو ذاك، يتم أيضا تهجير قسري واستخدام خطاب إرهابي تحريضي ضد الصحافيين من أعلى قيادات الجماعات والتنظيمات، على رأسها جماعة الحوثي".

ويرى يونس أنه "لم يعد ثمة مجال لأي حديث سوى لملمة ما يمكن لملمته من حقوق من تبقى من الصحافيين داخل اليمن، مساعدتهم وحمايتهم، تتبع معاناتهم وما يعيشون، الحفاظ على بقائهم كشهود على مرحلة تحرص كافة الأطراف المتنازعة على محوها من الذهن اليمني وركلها خارج التاريخ أو تثبيت روايتها الخاصة لها".

ويعوّل الصحافي يونس عبدالسلام على عدم ترك الساحة للرواية الواحدة، ويتابع "هذا ما على المجتمع الدولي والمنظمات المهتمة مساعدة الصحافيين اليمنيين لأجله".

وسائل بديلة لتجنب المضايقات

أتجه الكثير من الصحافيين اليمنيين في الأونة الأخيرة نحو الاعتماد على أدوات الإعلام الحديث من شأنها تضمن لها عدم تعرضهم للمضايقات والانتهاكات خلال العمل، خاصة في المناطق الأكثر خطورة في البلاد، ما يعني أنها وسائل بديلة تقلل من حجم الانتهاكات التي عُرف بها اليمن منذ بدء الحرب.

منيرة الطيارة، صحافية يمنية تعمل في صنعاء الخاضعة لسيطرة الحوثيين، كان لها رأي آخر يتحدث عن الاعتماد على وسائل صحفية حديثة لتجنب المضايقات، وقالت في تصريح لـ "يمن فريدم"، " بالنسبة لي أجد أن الصحافة اليوم أخذت منحنٍ آخر يقودها نحو حرية أكثر مع وجود مصادر المعلومات المفتوحة عبر النت وتطبيقات الذكاء الاصطناعي"، وأعتبرت أن الأمر سيؤدي لتجنب مضايقات العمل الميداني الذي باتت المرأة اليمنية تعاني منه بشكل عام والصحفيات بشكل خاص، في ظل ظروف سيئة تمر بها البلد وانخفاض سقف الحريات فيها، على حد قولها.

العمل الصحافي والقانون

من وجهة نظر أكاديمية هناك علاقة كبيرة بين العمل الصحفي والقانون الذي يضمن حق الحرية للصحافي خلال القيام بعمله ونقل الحقيقة ما لم تمس حقوق الآخرين.

أستاذ الإعلام المساعد بجامعة تعز، الدكتور أمين الحاشدي، تحدث لـ "يمن فريدم" عن ايقاع الصحافة اليمنية وعلاقته بالقانون الذي يضمن الحريات الصحفية من جهة ويضمن منع الانتهاكات لحقوق الصحفيين من جهة أخرى.

وقال الدكتور الحاشدي " من المفترض أن واقع الصحافة اليمنية يضبط إيقاعه القانون اليمني وهو المرجعية لحرية الصحافة والذي تكفل بحرية التعبير مالم تمس حقوق الاخرين. وأضاف "ونحن نعيش مرحلة اللا دولة واللا مؤسسية فكانت النتيجة تكميم الأفواه إما بحكم قضائي تعسفي أو مصادرة المواطنة للإعلاميين".

وتابع حديثه " ولا صوت يعلو فوق صوت الانتهازية ومصادرة أبجديات العمل الصحفي وقد يخسر الصحفي حياته من نافذ فاسد، وقد يرمى بالسجن لمجرد نقله الحقيقة".

نقابة الصحافيين ومواجهة الانتهاكات

خلال عقد ونصف واجهت وتواجه نقابة الصحافيين اليمنيين تحديات كبيرة في سبيل الدفاع عن كافة منتسبيه بكل توجهاتهم، ومنذ 21 سبتمبر 2014، وخلق الواقع الذي فرضه الحوثيون في صنعاء بيئة خطرة احاطت بكل الصحافيين والمؤسسات الإعلامية الرسمية والأهلية، واستشرى هذا الواقع الخطير إلى كافة محافظات اليمن.

بحسب التقارير الصادرة عن نقابة الصحافيين اليمنيين والبيانات الصادرة من الاتحاد الدولي للصحافيين والمنظمات المحلية والدولية المعنية بالدفاع عن الحريات الصحافية رُسمت ملامح سوداوية لواقع الصحافة في اليمن، خاصة بعد مقتل العشرات منهم وجرح آخرين، وتشريد وتهجير المئات إلى مناطق أخرى داخل اليمن وإلى خارج اليمن.

وفي أحدث بيانات لنقابة الصحفيين، كشف تقريرها الأخير عن رصد (17) حالة انتهاك طالت الحريات الإعلامية خلال الربع الأول من العام 2024، حيث أعتبرت النقابة ذلك مؤشرا سلبيا يكشف استمرار استهداف الصحافيين من مختلف الجهات.

وبحسب التقرير تنوعت الانتهاكات بحق الصحفيين بين حجز الحرية بـ (4) حالات بنسبة 23.5% من إجمالي الانتهاكات، والاعتداء على الصحفيين والمؤسسات الصحافية ب (4) حالات بنسبة 235%، ثم التهديد والتحريض على الصحفيين بـ (3) حالات بنسبة 17.6% والمصادرة والمنع والايقاف بـ (3) حالات بنسبة 17.6%، والمحاكمات والاستدعاء بحالتين بنسبة 11.8%، والترحيل القسري لصحفي من دولة خارجية بحالة واحدة بنسبة 6%.

منتهِكون للحريات للصحافة

وبحسب تقرير النقابة الأخير فقد ارتكب الحوثيون (5) حالات انتهاك بنسبة 29% من اجمالي الانتهاكات، فيما أرتكبت الحكومة اليمنية (5) حالات بنسبة 29%، المجلس الانتقالي الجنوبي بـ (3) حالات بنسبة 18% من الانتهاكات، يلي ذلك السلطات المصرية بحالتين اثنتين بنسبة 12%، ومجهولون بحالة واحدة بنسبة 6%، ووسيلة إعلام بحالة واحدة بنسبة 6%.

وتنوع حجز الحرية بين حالتي اعتقال بنسبة 50% من اجمالي حجز الحرية وحالة ملاحقة بنسبة 25% وحالة اختطاف بنسبة 25%.

ووفق التقرير لايزال هناك (6) صحفيين معتقلين لدى أطراف مختلفة منهم (3) في معتقلات الحوثيين هم (وحيد الصوفي) مخفي منذ العام 2014" و(نبيل السداوي) الموظف في وكالة سبأ، و(عبدالله النبهاني) الموظف في شبكة يمن ديجتال بصنعاء)، وصحفيين أثنين لدى المجلس الانتقالي بعدن هم (أحمد ماهر وناصح شاكر)، وصحفي مخفي قسرا لدى تنظيم القاعدة هو (محمد قائد المقري) منذ العام 2015.

ورصدت النقابة (5) حالات اعتداءات طالت صحفيين وممتلكاتهم منها حالتي اعتداء بالضرب على صحفيين بنسبة 50% من إجمالي الاعتداءات وحالة اعتداء علي مؤسسة إعلامية بنسبة 25% وحالة اعتداء على سيارة صحفي بنسبة 25%.

وسُجلت (3) حالات تهديد وتحريض طالت صحفيين منها حالتي تهديد بنسبة 75% وحالة تحريض واحدة بنسبة 25%، كما وثقت النقابة (3) حالات منع وايقاف ومصادرة منها حالة منع من التغطية وحالة إيقاف مستحقات وحالة مصادرة ممتلكات إعلامية.

ورصدت النقابة حالتي محاكمة واستدعاء منها حالة محاكمة وحالة استدعاء، إضافة لحالة ترحيل قسري من قبل السلطات المصرية للصحفي توفيق الجند.

مؤشرات

تقرير النقابة سجل مؤشرات كشفت عن استمرار الانتهاكات بحق الصحافيين من مختلف الأطراف في ظل حالة الإفلات من العقاب لكل منتهكي حرية الصحافة، إلى جانب زيادة القيود المفروضة على العمل الصحفي والتي ضيقت من قدرة الصحافيين ووسائل الإعلام على العمل بحرية خصوصا في صنعاء وعدن، بالإضافة إلى توسع حالة العداء للصحافة والصحفيين من مختلف الأطراف وضعف روح التضامن الحقوقي المحلي والخارجي مع حرية الصحافة في اليمن.

وأوصت النقابة الحكومة اليمنية بالتحقيق في قضايا الانتهاكات بحق الصحافيين في مناطق سيطرتها وتوفير بيئة آمنة للعمل الصحفي، وإطلاق سراح الصحفي (أحمد ماهر) والعمل لمعرفة مصير الصحافي (ناصح شاكر) والعمل لكشف مصير الصحفي محمد قائد المقري المخفي منذ أكتوبر. 2015

كما أوصت بإيقاف الإجراءات غير القانونية التي اتخذها المجلس الانتقالي بعدن من فرض قيود على عمل الصحافيين في عدن، وإعادة مقر النقابة في عدن الذي استولت عليه جماعة تتبع المجلس منذ مطلع مارس من العام الماضي، ومطالبة الحوثيين بإطلاق سراح الصحافيين المختطفين (وحيد الصوفي) والموظف في وكالة سبأ للأنباء (نبيل السداوي)، والمصور (عبدالله النبهاني) ورفع القبضة الحديدية عن الصحافة والصحفيين.

ودعا تقرير النقابة المنظمات المعنية بحرية الرأي والتعبير إلى تكثيف نشاطها الداعم والمتضامن مع حرية الصحافة في اليمن لممارسة ضغوط أكثر على منتهكي حرية التعبير.

مقارنات

من جهته يعتقد الصحافي اليمني، مراد العريفي" أن العمل الصحفي من داخل اليمن بات صعبا و غير ممكن، ففي مناطق سيطرة الحوثيين صُنف الصحفي في خائنة الأعداء وصارت الصحافة جريمة، وسبق أن خطفت الجماعة صحفيين وحكمت عليهم بالإعدام قبل ان يُفرج عنهم مقابل أسرى حرب، وخلال ثمانية أعوام من سجنهم تعرضوا لصنوف من التعذيب.

وفي الجهة الأخرى يرى مراد أن هناك هامش في مناطق من الحرية في مناطق الحكومة اليمنية، المعترف بها دوليا، وبحسب مراد فإن هذا الهامش مشروط بعدم التعرض للطرف المسيطر على الأرض، وهذا يعقد من بيئة العمل الصحفي، ومن الصعب أن يكون الصحفي قادرا على العمل بحرية ومهنية.

وقارن مراد في حديثه لـ "يمن فريدم" بين العمل الصحفي من داخل اليمن وخارجه، وقال "العمل من خارج اليمن منح الصحفيين مساحة من الحرية لكن هذه الحرية جاءت على حساب الوصول إلى الميدان، وهذا أضاف تعقيدا جديدا على العمل الصحفي، وهذا الأمر بات معضلة تعاني منها الصحافة اليمنية".

مستقبل الحريات الصحافية في اليمن

ما تزال نظرة الصحافي اليمني لمستقبل الحريات الصحفية في البلاد متشائمة، في ظل استمرار آلة القمع والانتهاكات بكافة أشكالها، ومع هذه النظرة يبقى المشهد ضبابيا دون ملامح واضحة حول المشهد الأخير في مسلسل الانتهاكات غير المسبوقة.

ومع ذلك يتشبث الصحافيون في اليمن بخيط من الأمل والتطلع لمرحلة جديدة في مضمار العمل الصحافي، وسط توقعات أن تطوى تلك الصحفة السوداء في تاريخ الصحافة اليمنية منذ نشأتها وحتى اليوم، وهو ما يجعل هذا الوسط أمام مرحلة من البحث عن آليات ووسائل جديدة وناجعة تحول دون انتهاكات.
 

الفيس بوك
تويتر

جميع الحقوق محفوظة YemenFreedom ---- تصميم وبرمجة ALRAJIHI