يبدو أن صفحة عيدروس الزبيدي ستظل محل إثارة ومتابعة يمنية، عقب هربه الغامض عبر زورق بحري إلى الصومال، ومنها جواً إلى دولة الإمارات، وذلك بعد إصراره على تفجير الوضع في اليمن، برفضه مطالب الحكومة الشرعية وجارتها السعودية التي تقود التحالف، بالانسحاب ووقف إجراءاته التصعيدية التي كانت تهدف إلى فرض واقع جديد يخدم مشروعه الانفصالي المدعوم.
واليوم، أكد مصدر أمني لـ"اندبندنت عربية" أن وزارة الداخلية اليمنية تقدمت بطلب رسمي إلى منظمة الشرطة الجنائية الدولية (الإنتربول) لملاحقة الزبيدي وإحضاره مع عدد من المطلوبين الفارين معه، على خلفية قضايا جسيمة تتعلق بجرائم حرب وعمليات اغتيال شهدتها العاصمة الموقتة عدن خلال الأعوام الماضية.
وبحسب المصدر، فإن قائمة المطلوبين تضم كلاً من: عيدروس الزبيدي، الذي كان يشغل منصب رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل وعضو مجلس القيادة الرئاسي السابق، وشقيقه محمد قاسم الزبيدي، إضافة إلى وزير النقل السابق وعضو "الانتقالي"، عبدالسلام حميد، ومحافظ العاصمة الموقتة عدن أمين عام الكيان الذي صدر في حقه قرار إقالة من منصبه، وإحالته للتحقيق قبل أيام، أحمد حامد لملس، وقائد ألوية الحزام الأمني في عدن المتهم بانتهاكات ضد الإنسانية، منها ارتكاب جرائم تعذيب وقتل في سجونها بالعاصمة الموقتة، جلال الربيعي.
منذ تأسيس "الانتقالي" في مايو/ أيار 2017 سعى الزبيدي إلى الاستئثار بالجنوب لنفسه وكيانه الخليط من الموالين، أبرزهم هاني بن بريك وأحمد لملس وأحمد بن بريك وقطاع واسع من الشباب والعسكريين الذين جاءت بهم ظروف الحرب ضد ميليشيا الحوثي عام 2015 لا ساحات الاحتجاج والنضال.
رهن الجنوب بكيانه الخاص
وعلى رغم أن قوام "الانتقالي" لم يكن ذا خلفية سياسية تقليدية بقدر ما دفعت به ظروف شتى إلى واجهة الأحداث شاهراً السلاح الذي قاتل به الحوثي في وجه الدولة الشرعية التي وقفت معه ضد الجماعة المدعومة من إيران، فارضاً لذاته أمراً واقعاً جديداً بكيان موازٍ للدولة بدأه من عدن نهاية أغسطس/ آب 2019 منصباً نفسه الحامل "الشرعي والوحيد" للقضية الجنوبية نحو "تقرير المصير واستعادة الدولة".
لكن الحكومة الشرعية ومن خلفها السعودية أجرت في آخر اللحظات جراحة حذرة لحل هذا الجسم المثير للإشكال بنوازع التقسم والإبقاء على المؤسسات، وإعادة دمجها في المشروع الذي سيتفق أهل الجنوب على صورته الجديدة في الحوار المزمع عقده في الرياض خلال الأيام المقبلة.
وأعلن المجلس أمس حل نفسه عقب انكساره على يد الحكومة الشرعية التي أكدت في إجراءاتها الأخيرة أن سقوط هذا المجلس لا يعني بأي حال سقوط المشروع الجنوبي على رغم محاولة الزبيدي الإضرار به من خلال جعل مصيره معلقاً به وحده، فإما أن يعيش أو ينهار، وجاءت بيانات قادة الحكومة المعترف بها وقادة السعودية مؤكدة أحقية المشروع بالحل العادل وفق مرجعيات مطلبية وطنية منصفة لا تمزيقية مشبوهة.
وحازت القضية الجنوبية مكانة محلية واسعة في إطار جهود التحاور والنقاش الجمعي للقوى السياسية والدولية الفاعلة في إطار حل تاريخي للمشكلات اليمنية بتتبع جذورها، وبغض النظر عن مدى حرص هذه الحلول وجدواها، إلا أنه لا يمكن إغفال حقيقة مساعي المجلس "الانتقالي" الجنوبي الذي تزعمه الهارب عيدروس الزبيدي إلى الاستئثار بحملها وفرض حلولها وفق الطريقة والأسلوب الذي يتبناه ويتوافق مع مشروعه الخاص لا وفق مصلحة الناس. ولهذا كان توصيف الأمير خالد بن سلمان دقيقاً وحاسماً حينما فصل بوضوح بين عدالة القضية الجنوبية في اليمن، وسلوك المجلس الانتقالي.
القوة والرئيس
وبالقوة والألوية التي جاءت بدعم إماراتي نصَّب الزبيدي نفسه بوصفه "الرئيس القائد" لدولة الجنوب الموعودة، عززه تعيينه عضواً في مجلس القيادة الرئاسي بموجب قرار نقل السلطة في أبريل/ نيسان 2022 ليضفي عليه شرعية وهالة أخرى مارس معها سلوكيات سيادية مخالفة للدستور والقانون تمثلت برفعه علم جمهورية اليمن الجنوبية السابقة وصوره الممهورة بصفة "الرئيس"، فضلاً عن تكريس سلوكيات عنصرية ومناطقية ضد أبناء المحافظات الشمالية، مما عمق الانقسام وفق مسعى انقلابي آخذ بالتطور ولكن برداء شرعي اكتسبه من وضعه الدبلوماسي في نطاق "الرئاسي" والحكومة، وداعم إقليمي مده بكل متطلبات المشروع من مال وقوة عسكرية وإعلامية ولوجستية، ناهيك بما اقتطعه الزبيدي من موازنة الدولة بعدما كشفت تقارير صحافية عن إجبار الحكومة تحت التهديد على تخصيص مبلغ 10 مليارات ريال شهرياً (نحو 6 ملايين ونصف المليون دولار) في ظل شح الخزينة المالية الذي تعانيه خزينة الدولة بفعل وقف تصدير النفط والغاز.
مع ذلك تعاملت الدولة ممثلة بالرئيس رشاد العليمي وباقي أعضاء مجلسه الرئاسي وقبله الرئيس هادي، مع الزبيدي، بنفس طويل، على رغم علمهم بالدعم الذي يتسرب له علناً وخفية.
وتؤكد مصادر حكومية لـ"اندبندنت عربية" أن عمليات المداراة التي انتهجتها "الشرعية" ومن خلفها السعودية مع الزبيدي تجاوزت "الحد المعقول" في محاولة "حكيمة لاستيعابه" وتجنب الصدام خصوصاً وهو يحكم قبضته على قوة مسلحة تسيطر على كل مفاصل العاصمة الموقتة عدن، وكانت تحرض "الشرعية" على "أجواء التوافق في مسعى إلى تسيير شؤون الدولة وإسقاط الانقلاب الحوثي.
طعن النضال وأصحابه
وفي كل موجة انتقاد محلي أو دولي يسارع الزبيدي إلى الاحتماء بحقوق الجنوبيين التي سبق وتوافقت على أولوية حلها كل القوى في إطار وطني منصف، كذلك أقرت وثائق مؤتمر الحوار الوطني 2014 وبقية المرجعيات الوطنية، ومن خلال سلسلة الوقائع على الأرض بدا للناس وللسلطة المركزية أن القضية الجنوبية باتت تمثل عذراً للتكسب السياسي والتذرع للتوسع بالقوة والسلاح وسط عجز حكومي، إذ إن القوة التي تضخمت تحت يد الزبيدي أوغلت في فرض سلطة موازية تسندها السطوة المتناهية التي عززها التكريس المستمر بحصر القوة في ذاتها فقط حتى باتت تتعامل بسلوك الدولتين: جنوبية وشمالية عقب توسع النفوذ الميداني في المحافظات الجنوبية على وجه التحديد.
يقول وكيل وزارة الشباب والرياضة شفيع العبد، وهو من أوائل الذين التحقوا بالاحتجاجات الجنوبية عام 2007، إنه منذ تحرير عدن عام 2015، عملت دولة الإمارات على استغلال القضية الجنوبية "لتمرير أجنداتها الخاصة"، وفي هذا السياق "فرضت عيدروس الزبيدي محافظاً لعدن، ثم ما لبثت بعد إقالته أن أسست المجلس الانتقالي الجنوبي عقب إنشائها عدداً من التشكيلات العسكرية خارج إطار الدولة لخدمة الهدف ذاته".
واليوم، بعد حل المجلس، أدى محافظ محافظة عدن، عبدالرحمن شيخ عبدالرحمن اليافعي، اليمين الدستورية أمام الرئيس الدكتور رشاد محمد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي، بعد تعيينه وزيراً للدولة ومحافظاً، وذلك بحضور رئيس مجلس الوزراء، سالم صالح بن بريك.
وفي مقابل ذلك يرى أن الزبيدي ومجموعته "طعنوا القضية الجنوبية وأساؤوا لها" لأنهم عملوا على "خدمة المشروع الإماراتي من بوابة القضية الجنوبية متخذين منها غطاءً سياسياً في الوقت الذي استهدفوا فيه قيادات وكوادر الحراك الجنوبي الحقيقي، أولئك الذين حملوا القضية في أصعب مراحلها ونجحوا في إيصالها إلى العالم عبر مؤتمر الحوار الوطني الشامل"، وسقوطهم بحسب العبد "لا يعني سقوط حقوق الجنوبيين بأي حال، بل بداية صحيحة لحلها بعدما جرى سلبها في كيان موازٍ".
تجاهل الأصوات حتى الصدام
كان الحرص على حال التوافق هو نهج العليمي كما تكشف الأحداث، ولكن من أصاب هيبة الدولة في مقتل التقاسم وتشتت القرار لوجود اتفاق ضمني مع الزبيدي ومجلسه بأن المرحلة الحالية "تشاركية فقط" تهدف إلى استتباب الأوضاع في المناطق المحررة وتحديداً في العاصمة الموقتة عدن والجنوب وإسقاط الانقلاب الحوثي، ثم ستشرع القوى السياسية لإجراء حوار في شأن حل القضية بما فيه "حق تقرير المصير"، لتأتي العمليات العسكرية الأخيرة في المناطق الشرقية، حضرموت والمهرة، لتؤكد بجلاء مسعى "الانتقالي" إلى فرض أمر جنوبي واقع على حدود عام 1990 بزعامة عيدروس الزبيدي ومجلسه وبمعزل عن إرادة الجنوبيين أنفسهم وبقية المكونات والقوى الوطنية الأخرى.
واستغلالاً لحال انشغال "الشرعية" بتبعات الانقلاب الحوثي وانعكاساته العسكرية والاقتصادية والإنسانية والأمنية، يؤكد العبد أن "الدعم الإماراتي المقدم لعيدروس الزبيدي أسهم في ترسيخ قناعة لدى شريحة واسعة من أبناء الجنوب بأنه يعمل فعلاً لخدمة القضية الجنوبية، مما دفعهم إلى تجاهل الأصوات التي حذرت مبكراً من خطورة هذا المشروع"، ولهذا "انساق كثر خلف هذا المشروع حتى وصلوا إلى مرحلة الصدام المسلح مع أهلهم في شبوة وحضرموت والمهرة".
سقط المشروع وبقيت القضية
في لحظة استدراك جاء الموقف الحكومي بإسناد سعودي تاريخي لمنع فرض أمر واقع في الجنوب اليمني وعدم ترك المجال لنشوء "حميدتي جديد" يقتحم ويهجم في سبيل مشروعه التوسعي جنوب اليمن وعلى الحدود الجنوبية للسعودية، التي قالت كلمتها وتعاملت بسلسلة إجراءات سياسية ذات نفس طويل، قبل أن تلجأ لدعم تحرك عسكري تحاشى وقوع أي ضحايا حتى من عناصر "الانتقالي" نفسه مع ترك باب التحاور مع الزبيدي مفتوحاً قبل هربه إلى الإمارات عبر الصومال، لتتمكن الحكومة بواسطة قوات درع الوطن من استعادة حضرموت والمهرة وشبوة وعدن وستتلوها بقية المناطق في الأيام المقبلة، ثم قرار "الانتقالي" بحل نفسه في تحول دراماتيكي لم يتوقعه أشد خصوم "الانتقالي".
يرى الوكيل العبد أن التدخل الحاسم للسعودية وضع حداً نهائياً للمشروع الإماراتي عبر أداته المباشرة، الزبيدي ومجلسه، "في نهاية تتناسب مع طبيعة هذا الدور بحله تماماً، لأنه ظل حجراً في طريق كل الحلول الوطنية لاستعادة الدولة"، ووفقاً لهذا، "فإن ما جرى لا ينبغي فهمه بوصفه سقوطاً للقضية الجنوبية، بل سقوطاً للزبيدي والمشروع الإماراتي الذي استخدم القضية أداةً، وهو تمييز جوهري لا بد من أن يدركه أبناء الجنوب بوضوح".
تكسب سياسي
ومع ما يردده "الانتقالي" باتهام الشرعية "بتجاهل المطالب الجنوبية" يؤكد جنوبيون أن ذلك لم يكن سوى محاولة للتكسب والمزايدة السياسية، ووفقاً لرئيس التكتل الوطني للنساء المستقلات وسام باسندوة "كان هناك مسار آمن لحل القضية الجنوبية العادلة، التي مرت بمحطات لا يستهان بها حتى انتزعت الاعتراف بالقضية وعدالتها وفرضت نفسها على مرجعيات الحل الرئيسة، من طرحها على طاولة الحوار الوطني، وصولاً إلى مخرجاته التي اتفقت عليها كل القوى اليمنية مروراً باتفاق الرياض ومن ثم مشاورات الرياض".
وتؤكد باسندوة أن هذه القضية شهدت إجماعاً "بأن الحل لن يكون إلا عبر الحوار والسلام لا عبر الانفراد واختطاف القضية وتجييرها وفقاً للمصالح الضيقة أو فرض الأجندات الشخصية أو رؤى أحادية".
دائماً ما يتكرر حديث القيادات اليمنية بالالتزام الثابت حل معضلة الجنوب المتمثلة في جملة مظالم تراكمت عبر محطات تاريخية، منها نتائج حرب صيف 1994 والغبن الشعبي هناك بممارسات "الضم والإلحاق" التي يتهم بها نظام الرئيس صالح وسياسة الإبعاد والإقصاء والإخلال بمسار الشراكة السياسية بين دولتي الشمال والجنوب والسطو على الممتلكات وإرث الدولة السابقة وطمس الهوية، ووفقاً لباسندوة فإن "الرهانات الصفرية الانفرادية"، التي مضت فيها قيادات المجلس الانتقالي "بصلف أضر بالقضية الجنوبية ومكتسبات الجنوبيين التي خاضوا من أجلها وعلى مدى أعوام نضالاً سلمياً دفعوا فيه ثمناً كبيراً حتى نالوا الاعتراف المحلي والإقليمي والدولي بها".
إعادة للمكان الآمن
ومع ما حازته القضية الجنوبية من مكانة سياسية بارزة خصصت لها مداولات واسعة في طريق وضع الحلول والرؤى سواء في مؤتمر الحوار الوطني 2013 – 2014 بصنعاء الذي خصص لها مكوناً خاصاً بها، أو في مختلف المناسبات والأحداث، وهذا نابع من أحقيتها الملحة كقضية وطنية ظلت تمثل مدخلاً موضوعياً لحل كل المشكلات الأخرى - يأتي الحرص الحكومي معززاً بموقف سعودي يرعى إقامة حوار جنوبي يضع الرؤى الواعدة لحلول تنهي حال الصراع والتسابق نحو حمل ملف هذه القضية وهي لا تقر لهم بذلك.
ترى باسندوة أنه من المهم تأكيد الدور المهم الذي أداه رئيس مجلس القيادة الذي استجاب سريعاً للنداء الذي تلقاه بالدعوة إلى عقد مؤتمر جنوبي – جنوبي "ليعيد القضية الجنوبية مجدداً في دائرة الضوء".
هذه التطورات مثلت وفق حديث باسندوة "الأمان من الارتداد عليها أو اختطافها"، كذلك فإن الاستجابة الآتية من قيادة السعودية بالدعوة إلى عقد المؤتمر في العاصمة الرياض، "جاءت بمثابة صمام أمان للاعتراف بالقضية الجنوبية، والبحث في حل استراتيجي شامل لها يلتف حوله جميع الجنوبيين ويتوافقون عليه في إطار الحل الشامل للقضية اليمنية برمتها".
(اندبندنت عربية)