30 يناير 2026
25 يناير 2026
يمن فريدم-محمود أبو بكر


أثارت المبادرة التي أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب خلال استقباله الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في مؤتمر دافوس، للتوسط بين مصر وإثيوبيا في أزمة سد النهضة، اهتماماً كبيراً في الأوساط السياسية والإعلامية المصرية والإثيوبية في آن واحد، وتناول العديد من المراقبين لشؤون منطقة القرن الإفريقي تحديات الطرح الأمريكي، وما إذا كانت المبادرة تحمل جديداً بخاصة أن أديس أبابا قد انتهت من بناء وتشغيل السد. 

وترفض الوساطات الدولية حول ما تعتبره حقاً سيادياً، فيما يرى كل من مصر والسودان، ضرورة التوصل إلى اتفاق ملزم للأطراف الثلاثة في ما خصّ القضايا الفنية المتعلقة بتشغيل السد، فضلاً عن الحصص المائية استناداً إلى الاتفاقيات التاريخية الموقعة حول تقاسم المياه.

وكان الرئيس الأمريكي قد قال أمام نظيره المصري، في ما خصّ الخلاف بين مصر وإثيوبيا حول مياه نهر النيل وسد النهضة الإثيوبي "فجأة، تم حجب تدفق المياه بواسطة سد ضخم للغاية. لن أكون سعيداً بذلك. سأحاول جمعكما معاً لنرى ما إذا كان بإمكاننا التوصل إلى اتفاق"، وأعرب عن استعداده لاستئناف الوساطة الأمريكية بين البلدين لحل مسألة "تقاسم مياه النيل" بشكل نهائي، مؤكداً أن هذا الملف بات في "صدارة أجندته" الدولية.

وفي حين ثمّنت القاهرة التوجه الأمريكي الجديد للتوسط بينها وبين إثيوبيا، وأعربت عن ثقتها بدور ترمب في إطلاق المفاوضات المتوقفة بشأن القضايا الفنية المتعلقة بالتشغيل والحصص المائية، لم تعلّق أديس أبابا، بشكل رسمي، في ما خصّ موقفها من المبادرة الأمريكية.

رصيد ترمب وتحدياته

والسؤال: هل ينجح ترمب في جمع الطرفين في مسار جديد للمفاوضات ليضيف في رصيده اتفاقاً جديداً إذ يسعى، بشكل ملحوظ، للتوسط في أزمات دولية عدة، بخاصة أن إدارته لطالما تباهت بقدرتها على حلحلة العديد من القضايا العالقة بين دول العالم؟ أم أن المبادرة الأمريكية الجديدة التي أعلنها ترمب واعتبرها في مقدم أجنداته الدولية ستظل رهن الصمت الإثيوبي؟

في السياق، رأى المختص في شؤون منطقة القرن الإفريقي عبدالرحمن سيد "أن تصريحات ترمب تضمنت تعاطفاً واضحاً مع الطرح المصري منذ فترته الرئاسية الأولى، في حين يسعى، في الوقت الراهن، إلى دفع كل من مصر وإثيوبيا للتوصل إلى اتفاق بشأن إدارة سدّ النهضة". 

وأوضح أن تصريحاته تضمنت أيضاً "انتقاداً مبطناً لتوقيت بناء السد من دون تسوية مسبقة للخلافات العالقة بين دول حوض النيل"، مضيفا أن "التوصيف الذي قدمه ترمب يبدو صحيحاً من زاوية سياسية، بخاصة أن مصر كانت منشغلة آنذاك بقضايا الشرق الأوسط، ولم تولِ الاهتمام الكافي لعمقها الإفريقي، ولا يعني ذلك بالضرورة رفضاً صريحاً لشرعية بناء السد، بقدر ما يعكس موقفاً ناقداً لغياب التوافق قبل الشروع في تنفيذه".

ونوّه سيد إلى أن الرئيس الأمريكي "لطالما دعا في تصريحات عدة إلى التوصل لحلّ دائم وعادل لتقاسم وإدارة مياه النيل، وإذا تحقق ذلك، فقد يفضي إلى اتفاق جديد وملزم لدول حوض النيل يكون بديلاً لاتفاقية عام 1929 وبروتوكول عام 1959 اللذين لم تشارك فيهما معظم الدول الأفريقية، ومنحا مصر حق النقض (الفيتو) بشأن إقامة السدود، ومن المرجّح أن يحظى مثل هذا الاتفاق بقبول دول المنبع لكونه أكثر شمولاً وإنصافاً".

صمت إثيوبي

وعلى رغم صمت أديس أبابا، فقد اعتبر المختص في شؤون القرن الأفريقي أن "من المتوقع أن يرحّب الجانب الإثيوبي بمبادرة ترمب، لكونها لا تتعارض مع الرؤية الإثيوبية، ولا مع الموقف المصري الساعي إلى حلّ تفاوضي للأزمة، كما أن للولايات المتحدة تأثيراً سياسياً واقتصادياً على الطرفين، إضافة إلى ما تملكه من أدوات ضغط، من بينها التلويح بالعقوبات الاقتصادية في حال رفض أي من الطرفين التعاون أو القبول باتفاق ملزم".

وعن استبعاد السودان أو عدم ذكره ضمن التصريحات عزا سيد السبب أن الأمر عائد لاعتبارات تتعلق بوضعه الداخلي وعدم استقراره السياسي في هذه الفترة، "كما يحتمل أن تكون الإدارة الأمريكية قد رأت أن موافقة مصر على أي حل ستدفع السودان تلقائياً إلى القبول به، مع إمكان انضمامه لاحقاً إلى أي اتفاق يتم التوصل إليه".

وأوضح أن التحرك الأمريكي يعكس رغبة واضحة في لعب دور فاعل ولافت في حل قضايا إقليمية ظلت عالقة فترة طويلة، "ومن المرجح أن هذا التحرك جاء بعد الحصول على موافقة مبدئية من طرفي النزاع، وربما بدعم من دول المنطقة، ما قد يعزز فرص نجاح الوساطة الأمريكية في المساهمة بحل أزمة مياه النيل بين مصر وإثيوبيا".

سعي نحو نوبل

من ناحيته، رأى المحلل السياسي الإثيوبي بيهون غيداون "أن ترمب الطامح إلى مضاعفة رصيده المتعلق بعقد اتفاقيات سلام بين العديد من دول العالم، يجد نفسه بحاجة إلى اضافة اتفاق جديد لإدارته، بخاصة في ظل سعيه لنيل جائزة نوبل للسلام". 

وأكد ان "الرئيس الأمريكي ردد كثيراً أن جهوده الدبلوماسية أفضت إلى عقد اتفاقيات في قضايا دولية عدة، من بينها اتفاقا غزة والهند وباكستان وغيرهما"، ولفت إلى أن "التزام أديس أبابا بعدم التعليق على تصريحات الرئيس الأمريكي تعود لأن هذه التصريحات لم تلتزم بشروط الحياد اللازمة، لا سيما أن إثيوبيا تتحفظ على التوصيف الذي استخدمه ترمب كسبب للأزمة الراهنة مع دول حوض النيل".

الإطار القانوني للمبادرة

وأشار غيداون إلى أن التوصيف تضمن تعابير غير دقيقة لفهم الأزمة، إذ اعتبر إثيوبيا المتسبب الوحيد في النزاع، "من دون الإشارة إلى أنها تمارس حقاً سيادياً في المياه النابعة من أراضيها، وحاجتها للتنمية في ظل التزايد السكاني الكبير، ومن ثم فإن تعاطي إثيوبيا مع مبادرة واشنطن ينبغي أن يسبقها تنسيق ثنائي بين البلدين حول التعريفات التي يفترض الاستناد عليها لتقديم رؤية واضحة حول النزاع، مع التأكيد على أحقيتها في ممارسة سيادتها داخل أراضيها بما في ذلك بناء السدود بغرض توليد الطاقة الكهربائية، من دون المساس بحقوق الدول الأخرى".

وأوضح أن ثمة مواثيق قانونية واضحة ينبغي الاشارة إليها، "كأساس لأي مبادرة أو مفاوضات مستقبلية بين دول حوض النيل أهمها اتفاقية عنتيبي، التي وقعت عليها ست دول من أصل 10 دول متشاطئة على النيل، وهي إثيوبيا ورواندا وتنزانيا وأوغندا وبوروندي وجنوب السودان، والتي دخلت حيز التنفيذ منذ أغسطس/ آب عام 2024".

من التصريحات إلى المبادرة

وأشار المحلل السياسي الإثيوبي إلى أن التحرك الأمريكي لم يتجاوز حتى الآن مرحلة التصريحات الإعلامية، و"أن الرغبة التي عبّر عنها ترمب للتوسط بين إثيوبيا ومصر ينبغي أن تتبعها إجراءات واضحة لترتقي إلى مرحلة المبادرة الفاعلة، من خلال إصدار وثيقة تتضمن نقاطاً محددة، أهمها اعتماد الإطار القانوني للمبادرة، إذ لا يمكن البدء في التفاوض من دون الاستناد على الاتفاقيات السارية التي اعتمدتها دول حوض النيل، بالإضافة إلى ضرورة الاعتراف بأن سد النهضة الإثيوبي أضحى واقعاً ملموساً، وأن أي مفاوضات لاحقة ينبغي أن تنطلق من هذه الحقيقة، وليس من خلال انتقاد بنائه كما فعل الرئيس الأمريكي الذي وجه انتقادات علنية لبنائه معتبراً أنه حجب تدفق المياه إلى مصر ومعبراً عن عدم سعادته بذلك".

صفقة شاملة

ورجح غيداون أن أديس أبابا قد تتعاطى مع التحرك الأمريكي الجديد في حال تم التنسيق بشكل ثنائي مع واشنطن، مشيراً إلى أن لدى إثيوبيا "العديد من المطالب من بينها طرح قضية المنفذ البحري مقابل ملف النيل، إذ تسعى إلى تحييد القاهرة من مشروعها الطموح للوصول إلى البحر الأحمر، بالإضافة إلى تقليص التواجد المصري في منطقة القرن الأفريقي، بخاصة في كل من إريتريا والصومال".

وتابع أن "إدارة رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد قد تكون مستعدة لإنجاح الجهود الأمريكية حول ملف النيل، في حال توسعه إلى اتفاق شامل حول قضايا جيوسياسية، من بينها ضمان عدم الممانعة المصرية بشأن الوصول الآمن والسلمي لإثيوبيا إلى البحر الأحمر"، مشيرا إلى أن الموقف المصري الرافض هذا المشروع ينبغي أن يمثل جزءاً من الصفقة الشاملة.

وتوقع الخبير في شؤون المنطقة أن تبدي واشنطن تفهماً للموقف الإثيوبي "الذي يسعى للتوصل إلى اتفاق شامل حول القضايا العالقة مع القاهرة، بخاصة أن الرغبة الإثيوبية للوصول للبحر لا تتناقض مع الرؤية الاستراتيجية للولايات المتحدة، إذ تسعى إثيوبيا الى دعم الديناميات المتعلقة بالسلم والأمن في منطقتي القرن الإفريقي وحوض البحر الأحمر، بما في ذلك المساهمة في الجهود الغربية عموماً والأمريكية، بوجه خاص، في ما يعرف بمكافحة الإرهاب".

(اندبندنت عربية)

 

الفيس بوك
تويتر

جميع الحقوق محفوظة YemenFreedom ---- تصميم وبرمجة ALRAJIHI