1 فبراير 2026
29 يناير 2026
يمن فريدم-توفيق الشنواح


تشهد العاصمة الموقتة عدن (جنوب) حالة ترقب مجتمعي عقب قرار رسمي أصدره محافظها عبد الرحمن شيخ، يقضي بمنع تعاطي "القات" و"الشمة" (التبغ المطحون الذي يوضع تحت الشفة) و"التمبل" داخل جميع الدواوين والمؤسسات والمكاتب التنفيذية خلال أوقات الدوام الرسمي.

ويأتي القرار في سياق تنظيم بيئة العمل داخل المرافق الحكومية، في ظل انتشار هذه الممارسات بوصفها جزءاً من العادات اليومية لدى شريحة واسعة من السكان منذ عقود.

ويعرف "التمبل" بأنه مضغة ذات أصل هندي، تصنع من أوراق نبتة تحمل الاسم نفسه، تلف ويضاف داخلها جوز الهند المبشور مع القرنفل والهيل والقرفة، إضافة إلى صبغة الكاد الهندية، وهي صبغة نباتية.

وعلى رغم أن القرار ليس جديداً من حيث المبدأ، فإن توقيته يلفت الانتباه في ظل مرور نحو 15 عاماً من الصراع، وتزايد أعداد المتعاطين لهذه النبتة، إلى جانب استمرار ارتباط شريحة واسعة من المجتمع بمضغ القات بوصفه ممارسة يومية يصعب التخلي عنها.

أثار القرار جدلاً مجتمعياً واسعاً، توزعت حوله التوقعات بين من يرى فيه إجراء طال انتظاره لاستعادة الطابع المدني للمدينة، ومن يشكك في فرص نجاحه، استناداً إلى أنماط سلوكية مجتمعية ترسخت على مدى سنوات طويلة، في ظل ضعف الرقابة داخل مواقع صنع القرار والخدمات والمرافق العامة.

وفي مقابل ذلك، يتوقع آخرون أن يواجه القرار محاولات التفاف أو عدم التزام، إلا أن الناشط المجتمعي أحمد العبادي ربط نجاحه بمستوى المتابعة والرقابة، مشيراً إلى أن التوجيهات شددت على الالتزام الكامل بالتنفيذ، مع اتخاذ الإجراءات القانونية بحق أي مخالف، وفق ما ورد في نص القرار.

وينص على أن الخطوة تأتي في إطار حرص قيادة السلطة المحلية على تعزيز الانضباط الوظيفي، وتهيئة بيئة عمل مناسبة تسهم في رفع مستوى الأداء المؤسسي واحترام أوقات الدوام الرسمي.

ويرى العبادي أن شريحة من سكان عدن رحبت بالقرار باعتباره يعكس صورة الدولة المدنية، مؤكداً أن الالتزام به داخل المؤسسات الرسمية قد يشكل نموذجاً تنظيمياً يسهم في الحد من انتشار القات داخل بيئة العمل الحكومية.

يستخدم "القات" عبر مضغ أوراقه الخضراء ووضعها على أحد جانبي الفم، ملتصقة ببطانة الخد الداخلية، فيما يعرف شعبياً بـ"التخزين"، وقد تستمر هذه العملية لساعات طويلة، مانحة المتعاطي شعوراً بالانتشاء والتنبه.

ويرى الصحافي وضاح الأحمدي أن القرار يشكل إجراء تنظيمياً طال انتظاره، ويأتي ضمن مساعي استعادة الطابع المدني لعدن وفرض الانضباط داخل مؤسسات الدولة، بعد سنوات شهدت تراجعاً ملحوظاً في الأداء المؤسسي والخدمي. ويصف الأحمدي القرار بأنه اختبار لجدية السلطات المحلية في تطبيقه ومتابعته ميدانياً.

ويأمل الأحمدي في أن يفتح القرار الباب أمام خطوات تنظيمية موازية، تشمل منع حمل السلاح داخل المدن، والتصدي للبسط على أراضي الدولة، والحد من العشوائيات، إلى جانب إعادة تنشيط الفعاليات الفنية والأدبية والرياضية.

وتشير مصادر طبية إلى أن نبتة "القات"، التي توسع انتشارها في اليمن منذ القرن السادس عشر، تحتوي على مواد ذات تأثير منبه، وقد صنفتها منظمة الصحة العالمية بوصفها مادة تسبب الاعتماد النفسي، حيث يشعر المتعاطي برغبة متكررة في استخدامها.

ويجري تناول "القات" عادة بعد وجبة الغداء، إذ تستعد شريحة واسعة من اليمنيين لجلسات تعرف بـ"المقيل"، تبدأ قبيل العصر وتمتد حتى المغرب، وقد تطول لدى بعضهم إلى ساعات متأخرة من الليل، وترتبط بتجمعات اجتماعية ونقاشات عامة، مع تناول مشروبات متنوعة للتخفيف من مذاقه المر.

وعلى صعيد التجارب السابقة، سبق أن أصدر الرئيس اليمني الراحل علي عبدالله صالح قرارات تحظر تعاطي "القات" أثناء أوقات العمل وفي مقار المؤسسات الحكومية، كذلك منع دخول أفراد الجيش والأمن أسواق "القات" بالزي الرسمي، غير أن هذه الإجراءات تراجعت مع تصاعد الاضطرابات السياسية.

كذلك اتخذت حكومة الحزب الاشتراكي في جنوب اليمن خلال سبعينيات القرن الماضي إجراءات صارمة، شملت حظر تعاطي "القات" في مواقع العمل الرسمية، وحصر تناوله في يوم واحد أسبوعياً، وهي تجربة عدت آنذاك من أكثر القرارات نجاحاً بفعل الرقابة الصارمة والمتابعة المستمرة.

تجربة جريئة

وفي سياق النقاش الدائر، استحضر يمنيون خلال الأيام الماضية قصة المزارع محمد الحسيني من محافظة الضالع، الذي أثار تفاعلاً واسعاً بعد قراره اقتلاع شجرة "القات" واستبدالها بزراعة البن.

ويرى ناشطون أن تقليص زراعة "القات" يفتح الباب أمام استعادة التنوع الزراعي في اليمن، من البن إلى الفواكه والخضروات والبهارات، بما يخفف الضغط على الموارد المائية ويعزز الأمن الغذائي. ويذهب آخرون إلى أن منع تعاطي "القات" داخل المؤسسات الحكومية، إذا ترافق مع سياسات داعمة للمزارعين وتشجيع البدائل الاقتصادية، قد يشكل مدخلاً لتحول أوسع يعيد الاعتبار للزراعة المنتجة ويقلص هيمنة محصول واحد على الحياة العامة لعقود.

(اندبندنت عربية)
 

الفيس بوك
تويتر

جميع الحقوق محفوظة YemenFreedom ---- تصميم وبرمجة ALRAJIHI