ماذا يريد المجلس الانتقالي الجنوبي المعلن عن حله منذ أسابيع، من تظاهر أنصاره ضد الحكومة في عدن؟
وهل تستطيع هذه المظاهرات التي حاولت مساء الخميس اقتحام بوابة قصر معاشيق حيث مقر الحكومة، إسقاط هذه الحكومة، أم أنها تبقى كورقة ضغط سياسي من أجل الرضوخ لشرط الانتقالي الذي عبّرت عنه هيئة الشؤون الخارجية، في بيان مساء الخميس، وهو العود لمسار التفاوض حول إدارة المرحلة الانتقالية؟
وهل بالفعل يستطيع الانتقالي فرض شروطه على الحكومة الجديدة كما فعلها من قبل على حكومة معين عبد الملك؟ وماذا يعني رفع شعارات مناطقية لهذه التظاهرات؟
تمثل مظاهرات أنصار الانتقالي في عدن آخر ما يملكه المجلس الانتقالي؛ أي أنها تمثل آخر أوراقه السياسية؛ وهي ورقة الضغط والمناورة السياسية؛ معتقدًا أنها ستجدي نفعًا في إخضاع الحكومة لشروطه، والتأكيد من خلالها على قدرته الفعلية باعتباره صاحب السيطرة الفعلية على الأرض، بينما في الحقيقة هو فقد كل أوراقه باستثناء استخدام ميليشياته؛ بل إنه بهذه الورقة يبدو كما كان عليه في مغامرة اجتياح حضرموت والمهرة، انفعاليا أكثر من اللازم، وهذا الانفعال الزائد يظهر على حساب افتقاده للفكر السياسي الوازن؛ فها هو يخطأ للمرة الثانية بمحاولة اقتحام أنصاره لقصر الحكومة؛ وعلى ما يبدو أنه لم يتعلم من الدرس السابق.
أما قدرته على استخدام ميليشياته كورقة مؤجلة فهذا على ما يبدو صار صعبَا أيضًا، وخاصة بعد التصريح الصادر عن مَن صار يصف نفسه بـ"القائد العام للقوات المسلحة الجنوبية"، عبد الرحمن المحرّمي، عضو مجلس القيادة الرئاسي، الخميس؛ ولو كان الانتقالي قادرًا على استخدامها علنًا وبقدرتها الفعلية لكان قد فعل ذلك خلال مظاهرة الخميس في عدن.
يقول أمين عام حزب التجمع الوحدوي اليمني، عبدالله عوبل إنه "من الطبيعي أن يخرج الانتقالي بمظاهرات في مناطق نفوذه، ويحضرهم بسيارات إلى عدن، وبدفع مسبق. ذلك إن الانتقالي أو أي سلطة أمر واقع تستطيع أن تخرج المظاهرات الأسبوعية طالما لها سيطرة على موارد الدولة ويسخّرها لمصلحته في العودة إلى الحكم مرة أخرى. ولكن هذه المظاهرات لا تحقق أي هدف كما يتصور، رغم أنه يعوّل عليها كثيرًا في استعادة نفوذه في عدن. ذلك إن العالم يتعامل وفق مصالحه ووفق رؤيته للحل في اليمن".
وأضاف لـ"القدس العربي": "من المؤكد أن الانتقالي كان يسيطر على موارد الجنوب ويدخلها في حسابات خاصة، وكذلك استمر في الجبايات بمليارات الريالات. وفقدت قياداته العسكرية والمدنية هذه المصالح، والآن يعملون بكل جهد كي يستعيدوا الموارد، التي كانوا يأخذونها ويتركون الموظفين بلا رواتب".
وقال: "لقد كونوا عشرين بنكًا خلال الفترة من 2023 إلى 2025 مخالفة لقوانين البنوك، وعشرات من شركات الصرافة ومعارض السيارات، وحتى شركات طيران. وهذه مصالح سوف يقاتلون من أجل استعادتها. ولكن هيهات إنها أحلام لن تتحقق إطلاقاً، لقد انتهى الانتقالي بلا رجعة".
وأشار إلى أن "المبلغ الذي اشترطه عيدروس الزُبيدي على حكومة معين عبدالملك في 2022 مقابل السماح لهم بالعمل من عدن كانت عشرة مليارات ريال شهريًا، واليوم هم يهددون الحكومة لابتزازها، وقد حاولوا (الخميس) اقتحام معاشيق، وجرت اشتباكات عنيفة. لكن هو الابتزاز الذي تعوّد عليه الانتقالي وقياداته الميليشاوية، التي تاجرت بقضية الجنوب عشر سنوات، تردت فيها الخدمات، وسادت المجاعات والإخفاء القسري والاختطافات والاغتيالات وغيرها من الجرائم".
ويرى عوبل "أن الانتقالي لن يفرض أمرا واقعا، ولم يعد له من يسنده علنًا كما كان سابقًا. ولكن أعتقد أنه سيرتكب أخطاء مميتة أسوأ من الخطأ الذي ارتكبه في حضرموت، وأعتقد مغامرة البارحة في اقتحام معاشيق ستكون نهاية ما تبقى من ميليشياته. لقد أكد رئيس الوزراء، شائع الزنداني، على إصرار حكومته على نقل المعسكرات من المدينة عدن وغيرها من المدن، وهو القرار الذي تطبيقه يلاقي ارتياحا لدى سكان مدينة عدن الذين ملوا من حروب الانتقالي العبثية وشطحات قادته ومواكبهم الباذخة".
فيما قالت المحامية، هدى الصراري، رئيس منظمة دفاع للحقوق والحريات على منصة إكس إن "الدعوات الصريحة أو الضمنية للتحريض على تعطيل عمل الحكومة أو منعها من ممارسة مهامها، تحت أي مبرر سياسي، تثير إشكالًا قانونيًا خطيرًا يتعلق بحماية النظام العام وصون مؤسسات الدولة".
وأضافت أن "الاحتجاج السلمي حق مكفول، لكن هذا الحق مشروط بألا يتحول إلى وسيلة لشلّ المرافق العامة، أو منع السلطات من أداء واجباتها، أو الدعوة الصريحة لرفض شرعية الدولة، فالفارق واضح بين النقد المشروع والمساءلة السياسية، وبين التحريض على التقويض".
وترى أن "كل دعوة منظمة تهدف إلى منع سلطة عامة من مباشرة اختصاصاتها، أو تحريض الأفراد على الامتناع بالقوة أو التهديد عن الامتثال للقانون، قد تشكل جريمة تستوجب المساءلة، خاصة إذا اقترنت بأفعال مادية على الأرض أو ترتب عليها اضطراب في الأمن العام".
(القدس العربي)