كان لافتاً ما تسرّب عن احتمال خوض رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف مفاوضات مع الإدارة الأمريكية لإنهاء الحرب التي بدت آثارها كبيرة على النظام الإيراني.
وقاليباف من الوجوه القليلة المتبقية في هيكل النظام، بعدما حصدت ماكينة الاغتيالات شخصيات سياسية بارزة مثل أمين مجلس الأمن القومي علي لاريجاني، ومستشار المرشد علي شمخاني، وقائد الحرس الثوري محمد باكبور.
وقال الرئيس الأمريكي دونالد ترمب للصحافيين إن مبعوثيه أجروا محادثات مع مسؤول رفيع في القيادة الإيرانية، مشيراً إلى أن الطرفين متفقان على كثير من النقاط. وتراجع ترمب، اليوم الإثنين، عن تهديده بضرب محطات الطاقة الإيرانية، مشيراً إلى وجود مفاوضات مثمرة.
في المقابل، نفت إيران إجراء أي محادثات من هذا النوع، معتبرة أن ترمب يحاول فقط تهدئة أسواق الطاقة. لكن مسؤولاً إسرائيلياً قال لموقع "أكسيوس" الأمريكي إن مبعوثي الولايات المتحدة ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر أجروا محادثات مع رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف.
ولم يسمِّ ترمب المسؤول الإيراني الذي تحدث معه، قائلاً إنه لا يريد تعريضه للخطر، لكن المراقبين لا يستبعدون أن تكون الشخصية الإيرانية المعنية هي محمد باقر قاليباف.
وبرز رئيس مجلس الشورى الإيراني، وأحد كبار القياديين السابقين في "الحرس الثوري"، محمد باقر قاليباف، كأحد أبرز الشخصيات السياسية في طهران، بعد سلسلة الاغتيالات التي طاولت عدداً من قادتها.
وهناك مؤشرات عدة على أن قاليباف، الذي يُعد ركيزة من ركائز المشهد السياسي الإيراني منذ نحو ثلاثة عقود، وأحد أبرز الشخصيات غير الدينية في الجمهورية، بات يدير دفة الحرب.
ففي حين أن المرشد الأعلى الجديد مجتبى خامنئي لم يظهر للعلن منذ أن خلف والده علي خامنئي، الذي قُتل جراء ضربة أمريكية ـ إسرائيلية، ولم يصدر سوى ثلاثة بيانات مكتوبة، ينكبّ قاليباف على نشر مواقفه عبر حسابه على منصة "إكس"، ويجري مقابلات إعلامية.
وكان رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، ووزير الأمن يسرائيل كاتس، قد أصدرا إلى الجيش و"الموساد" تعليمات لتنفيذ اغتيالات في إيران، من دون الرجوع إلى المستوى السياسي وانتظار موافقات إضافية.
وقال كاتس نهار الـ18 من مارس/ آذار الجاري، إنه ونتنياهو أجازا للجيش "القضاء على أي مسؤول إيراني رفيع المستوى، تم تحديد الدائرة العملياتية والاستخباراتية في شأنه، من دون الحاجة إلى موافقة إضافية"، مضيفاً "سنواصل إحباط مخططاتهم ومطاردتهم جميعاً".
وتوعد كاتس خلال اجتماع تقييم للوضع في مقر قيادة الحرب في "الكريا" بتل أبيب، داخل ما يعرف بـ"البئر"، في إشارة إلى مكان محصن تحت الأرض، بإنزال "مفاجآت حاسمة في جميع الجبهات، مما سيرتقي بمستوى الحرب التي نخوضها ضد إيران و(حزب الله) في لبنان"، ولفت إلى أن "قوة الهجمات على إيران تتصاعد"، مؤكداً أن جيشه اغتال وزير الاستخبارات الإيراني إسماعيل خطيب الليلة (حينها).
وفي سياق "تسونامي" الاغتيالات الإسرائيلية المتصاعدة، التي استهدفت قيادات رفيعة ومحورية داخل النظام الإيراني، طرح اغتيال أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني وقبله شخصيات إيرانية محورية، أسئلة واستفسارات كثيرة، أهمها: ما نية تل أبيب من وراء هذه الاغتيالات؟ وما أهدافها الحقيقية؟ وهل تصوب بالفعل على مهندسي الاتفاق النووي؟
هدف العين الإسرائيلية
تبعاً للمعطيات، لا يمكن قراءة اغتيال الاغتيالات الكبيرة في إيران، وأخرها علي لاريجاني كضربة أمنية عادية ضمن سياق الحرب، بل كاستهداف مباشر للعقل السياسي والأمني الذي كان يربط بين العقيدة الثورية الإيرانية وإدارة التفاوض مع الخارج.
من هنا، تكمن أهمية اغتياله في أنه يضرب ثلاث طبقات في آن واحد: أولاً، يضرب الخبرة التراكمية داخل النظام، فإعادة إنتاج شخصية تمتلك هذا المزيج من الثقة لدى المرشد، والعلاقة مع "الحرس"، والقدرة على مخاطبة الغرب، ليست مسألة سهلة أو سريعة. ثانياً، يضرب آلية صناعة القرار نفسها القادرة على التوفيق بين التيارات الأمنية والسياسية وحتى الاقتصادية داخل بنية معقدة أصلاً، وثالثاً، يضرب هذا الاغتيال قابلية النظام لإعادة الدخول في مسار تفاوضي موثوق، لأن جزءاً كبيراً من صدقية إيران في أية مفاوضات كان قائماً على وجود شخصيات تعرف كيف تترجم التفاهمات إلى التزامات داخل مؤسسات النظام.
تأهيل إيران دوليًا
منذ توقيع الاتفاق النووي عام 2015 لم تتعامل إسرائيل معه كإنجاز دبلوماسي يحد من خطر إيران، بل كتأجيل منظم للأزمة يمنح طهران الوقت والشرعية لإعادة بناء قوتها. وبالنسبة إلى تل أبيب لم يكن الخلاف تقنياً حول نسب التخصيب أو عدد أجهزة الطرد المركزي، بل كان خلافاً جوهرياً حول فلسفة الاتفاق نفسه، هل يقيد إيران فعلاً، أم يدير صعودها ضمن قواعد موقتة؟
ورأت إسرائيل أن الاتفاق، بصيغته الأصلية، يضرب ثلاث ركائز أساسية في مقاربتها للأمن:
أولاً، لأنه يقوم على مبدأ التقييد مقابل الاعتراف، أي إنه يعترف ضمنياً بحق إيران في برنامج نووي متقدم، حتى وإن كان مقيداً زمنياً، عبر ما يعرف بـ"بنود الغروب" التي ترفع القيود تدريجاً، وهي تواريخ انتهاء صلاحية محددة لقيود مفروضة على أنشطة إيران النووية، تبدأ بالانقضاء تدريجاً بعد 10 - 15 عاماً من توقيع الاتفاق (2015). وهذا يعني، من المنظور الإسرائيلي، أن الاتفاق لا يمنع القنبلة بل يؤجلها، ويحولها إلى خيار مشروع مستقبلاً.
ثانياً، لأنه يفصل بين الملف النووي وسلوك إيران الإقليمي، وبالنسبة إلى إسرائيل، المشكلة ليست فقط في القنبلة، بل في من يمتلكها أو يقترب منها، دولة تدير شبكة وكلاء عابرة للحدود من لبنان إلى العراق واليمن. والاتفاق، في نظرها، ضخ أموالاً وشرعية في نظام يستخدم هذه الموارد لتعزيز نفوذه الإقليمي، مما يعني أن التهديد لم يتقلص، بل تغير شكله واتسع نطاقه.
ثالثاً، وهو الأهم، أن الاتفاق منح إيران ما تسعى إليه استراتيجياً، أي كسر العزلة الدولية من دون تغيير بنية النظام. بمعنى أنه أعاد دمج طهران في الاقتصاد العالمي وفتح قنوات مباشرة مع الولايات المتحدة وأوروبا، من دون أن يفرض عليها تحولات سياسية أو أمنية عميقة. من هنا، اعتبرت إسرائيل أن الاتفاق لا يقيد إيران بقدر ما يعيد تأهيلها دولياً ويمنحها هامش مناورة أوسع.
لهذا السبب، لم يكن الرفض الإسرائيلي ظرفياً أو مرتبطاً بحكومة دون أخرى، بل تحول إلى عقيدة ثابتة، أي منع ترسيخ أي نموذج تفاوضي يعيد إنتاج اتفاق 2015، حتى ولو بصيغ معدلة. ومن هنا يمكن فهم الاستراتيجية الإسرائيلية اللاحقة، من الضغط السياسي على واشنطن، إلى العمل الاستخباراتي، وصولاً إلى الاستهداف المباشر، كجزء من جهد متكامل هدفه ليس فقط تعطيل البرنامج النووي الإيراني، بل أيضاً منع ولادة بيئة سياسية تسمح بعودة اتفاق شبيه بذلك الاتفاق. وبعبارة أدق، لم تخض إسرائيل معركة ضد "قنبلة محتملة" فحسب، بل ضد إمكان أن تصبح إيران دولة على عتبة نووية بشرعية دولية، وهو السيناريو الذي تعتبره أخطر من القنبلة نفسها.
وخلال حرب الـ12 يوماً، أو عملية "الأسد الصاعد"، يونيو/ حزيران 2025، قال نتنياهو إن إسرائيل قتلت خلال حملتها العسكرية على إيران، حينها، كبار القادة وعلماء الذرة الإيرانيين، وهاجمت عشرات المواقع التابعة للبرنامج النووي الإيراني. وأضاف "وصلنا إلى طهران ودمرنا محور الشر الإيراني مقابل ثمن باهظ دفعته جبهتنا الداخلية"، واعتبر أن انضمام الولايات المتحدة إلى الحرب مثل حدثاً تاريخياً وثمرة جهود قادها مع وزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي رون ديرمر. وشدد على أن إيران لن تحصل على سلاح نووي، وقال "سبق أن وعدتكم أن إيران لن تحصل على سلاح نووي، وإذا حاولت إعادة بناء برنامجها النووي فسندمره مرة أخرى".
إذاً يصبح الاستنتاج أن تل أبيب تصوب بالفعل على مهندسي الاتفاق النووي، قوياً جداً. لكن بصياغة أدق، إسرائيل لا تضرب فقط المادة النووية الإيرانية، بل تضرب أيضاً العقل السياسي والأمني الذي صاغ عقيدة التفاوض، وأدار التوازن بين التصعيد والتسوية، ووفر لطهران قنوات مخاطبة مع واشنطن والعواصم الكبرى. هذا لا يعني أن كل شخصية مستهدفة كانت "حمامة سلام"، بل يعني أن الاستهداف طاول ويطاول الجيل الذي كان يعرف كيف يحول القوة الصلبة الإيرانية إلى أوراق تفاوض، ويترجم الوقائع العسكرية إلى صفقة سياسية.
والدليل الأوضح هو نوعية الأسماء التي سقطت أو جرى استهدافها، لا مجرد عددها.
نخبة التوازن الصلب
الأمر نفسه ينطبق على أمين مجلس الدفاع والمستشار العسكري الأعلى للمرشد علي شمخاني، حتى قبل مقتله في الضربة الافتتاحية للحرب الحالية، الـ28 من فبراير/ شباط الماضي، حيث كان قد نجا من محاولة اغتيال إسرائيلية في يونيو 2025 بعد غارة جوية أصيب على أثرها بجروح بالغة. ذلك أن شمخاني كان من أكثر رجال المنظومة الإيرانية خبرة في الجمع بين الأمن والدبلوماسية، قاد المجلس الأعلى للأمن القومي أعواماً، وكان حاضراً خلال اتفاق 2015، وانتظم في إدارة تداعيات الانسحاب الأمريكي منه، كما قاد في 2023 التفاهم الإيراني -السعودي برعاية صينية.
وصف بأنه صاحب خبرة واسعة في الدبلوماسية، وأن تعييناته كانت تتزامن مع اللحظات التي تريد فيها طهران التعامل مع الخصوم من دون أن تبدو متراجعة، وعندما يزال هذا النوع من الرجال، لا تقصف فقط مؤسسة أمنية، بل تضرب المدرسة التي كانت تمسك بخيط التفاوض من داخل صلب النظام.
من هنا، تبدو الضربات الإسرائيلية ذات مستويين متوازيين: الأول معروف، أي ضرب منشآت ومنصات إطلاق وصواريخ ومواقع مرتبطة بالبرنامج النووي. أما المستوى الثاني، وهو الأهم سياسياً، فهو تفكيك الطبقة القادرة على إعادة إنتاج تسوية.
وفي هذا الشأن قال وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر إن الهدف ليس فقط إزالة "التهديدات الوجودية"، بل أيضاً خلق ظروف داخل إيران قد تمكن الإيرانيين من إسقاط حكامهم. من هنا تأتي الضربات الإسرائيلية لقوات الأمن الداخلي مثل "الباسيج" كجزء من جهد لإضعاف حكم القادة الدينيين، وهذا يعني أن الهدف المعلن نفسه تجاوز "النووي" باتجاه إضعاف بنية الحكم ومفاصل الضبط الداخلي.
وإسرائيل تفهم أن البرنامج النووي الإيراني ليس مجرد أجهزة طرد ومخزون يورانيوم، بل هو منظومة قرار: من يفاوض، ومن يناور، ومن يهدئ، ومن يرفع السقف، ومن يقدم التنازل التكتيكي في اللحظة المناسبة، لذلك فإن ضرب نخبة التوازن الصلب داخل النظام قد يكون، استراتيجياً، أكثر فاعلية من ضرب بعض المنشآت فقط، لأن المنشآت يمكن ترميمها بمرور الوقت، أما إعادة إنتاج رجل مثل لاريجاني أو شمخاني فليست عملية تقنية سريعة، وهي تحتاج إلى تراكم ثقة مع المرشد، وعلاقات مع "الحرس"، وقبول داخل المؤسستين الدينية والسياسية، وقدرة على الحديث مع الخارج بلغة لا تبدو استسلامية في الداخل.
البديل الأكثر خشونة
لكن هنا يجب الانتباه إلى مفارقة أساسية، فاستهداف هذا الجيل قد يضر الدبلوماسية أكثر مما يسرعها، وصحيح أنه يضعف الدولة الإيرانية موقتاً، لكنه قد يفتح المجال أمام صعود طبقة أكثر عسكرية وأقل خبرة في التسويات، كذلك فإن هذا الفراغ قد يدفع طهران إلى نمط أكثر أمنية في الحكم، مع تعاظم دور رئيس مجلس الشورى الإيراني وأحد كبار القياديين السابقين في "الحرس الثوري" محمد باقر قاليباف، وبعبارة أخرى، حين تقتل الشخصيات التي كانت تعرف كيف تفاوض، فإن البديل المرجح ليس بالضرورة ليبراليين أو تصالحيين، بل قد يكون أمنيين أكثر خشونة وأقل قدرة على إنتاج صفقة قابلة للحياة.
وهذا يفسر أيضاً لماذا قال الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، إنه "لم يعد هناك قادة في إيران يمكن التحدث إليهم في شأن الحرب"، وسواء قالها على سبيل التفاخر أو التوصيف، فالجملة تكشف النتيجة السياسية المباشرة للحملة: تجفيف قناة التفاوض عبر تصفية أو إنهاك من كان يمكن أن يشكل طرفاً تفاوضياً ذا وزن.
وإذا أضفت إلى ذلك أن الحرب جاءت بعد جولات تفاوض فعلية في جنيف، فبراير الماضي، حين أعلن وزير الخارجية عباس عراقجي إحراز تفاهم على "مبادئ توجيهية" في الملف النووي، يصبح المشهد أوضح، فالحرب لم تسقط فقط احتمال الاتفاق، بل ضربت أيضاً النخبة التي كانت تستطيع تحويل ذلك المسار إلى تسوية قابلة للتنفيذ داخل مؤسسات النظام.
إسرائيل ومنطقها الثلاثي
لذلك، تعمل إسرائيل وفق منطق ثلاثي، لا ثنائي: أولاً، تعطيل القدرة المادية للبرنامج النووي والعسكري، وثانياً، كسر القدرة التنظيمية لأجهزة القمع و"الحرس" و"الباسيج"، وثالثاً، تصفية البنية البشرية التي كانت تمنح النظام مرونة تكتيكية في التفاوض مع الولايات المتحدة والمجتمع الدولي.
وهذه النقطة الثالثة هي التي يخطئ كثر في التقليل من شأنها، فحين تسقط من المشهد رجالاً لهم تاريخ في التفاوض النووي، وفي تمرير الاتفاقات، وفي وصل الأمن بالدبلوماسية، فأنت لا تهاجم "النووي" فحسب، بل تهاجم أيضاً إمكان العودة إلى صيغة نووية تفاوضية مشابهة لما عرفه العالم سابقاً مع إيران.
من هنا، لا يبدو أن الهدف الإسرائيلي هو السلام أو إحياء اتفاق أفضل بالمعنى التقليدي، والأرجح أن الهدف هو إنتاج إيران أضعف، وأكثر ارتباكاً، وأقل قدرة على التفاوض من موقع ندي، أي إن إسرائيل لا تريد فقط منع القنبلة، بل تريد أيضاً منع ظهور شريك إيراني مخضرم يستطيع انتزاع اعتراف دولي جديد بحقوق نووية موسعة مقابل تنازلات محدودة. بهذا المعنى، فإن تصفية الجيل السياسي والأمني التفاوضي تخدم هدفاً بعيد المدى، هو حرمان إيران من إعادة تدوير نفسها دبلوماسياً بعد انتهاء الحرب.
في المحصلة، إسرائيل لا تستهدف المشروع النووي الإيراني فحسب، بل أيضاً الحامل البشري والسياسي لهذا المشروع، أي النخبة التي أدارت الردع، وفتحت قنوات التفاوض، وكانت قادرة على تحويل القوة الإيرانية إلى تسويات دولية، لذلك فالضربات ليست ضد البرنامج وحده، بل وضد إمكان أن يعود البرنامج إلى الطاولة عبر رجال دولة يعرفون كيف يفاوضون، وهذا ما يجعل الحرب الحالية، في جوهرها، حرباً على البنية النووية وعلى البنية التفاوضية في آن.
من سيفاوض الأن في طهران؟
في ظل تصفية أو إقصاء الجيل الذي كان يجيد إدارة التوازن بين الأمن والدبلوماسية، يصبح سؤال "من سيفاوض الآن في طهران؟" أكثر تعقيداً من مجرد البحث عن بديل وظيفي. فالمشكلة لا تتعلق بشغور موقع، بل بغياب مدرسة كاملة كانت قادرة على ترجمة القوة إلى لغة تفاوضية مفهومة دولياً، واليوم، يتقدم إلى الواجهة جيل مختلف، أقرب إلى المؤسسات الأمنية والعسكرية، وأكثر التصاقًا بعقيدة "إدارة الصراع" بدل تسويته.
شخصيات مثل رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف تمثل هذا الاتجاه، حيث يتقاطع القرار السياسي مع الخلفية الأمنية، ما يعني أن أي مسار تفاوضي محتمل سيكون محكوماً بسقف أكثر تشدداً، وأقل مرونة في تقديم التنازلات التكتيكية.
ويتمتع قاليباف بخبرة واسعة تمتد من الشؤون العسكرية إلى المدنية. وتولى قيادة القوات الجوية في "الحرس الثوري" ورئاسة الشرطة في طهران وبلدية العاصمة الإيرانية، قبل أن يعين رئيساً لمجلس الشورى.
وهو معروف بطموحاته الكبيرة، فقد ترشح للرئاسة مرات عدة من دون أن يفوز. وخلال عام 2005، تغلب عليه المحافظ محمود أحمدي نجاد الذي لم يكن في بداياته يحظى بشهرة كبيرة.
ويجاهر قاليباف الحائز شهادة طيار بقدرته على قيادة طائرات كبيرة.
ويقول كبير الباحثين في "معهد جنيف للأبحاث" فرزان ثابت، إن قاليباف هو على الأرجح بعد مقتل لاريجاني "من يُشرف على المجهود الحربي والاستراتيجية ذات الصلة".
ويضيف لوكالة الصحافة الفرنسية "أنه رئيس مجلس الشورى وقائد سابق في ’الحرس الثوري‘ ولديه روابط قوية عابرة للفصائل والمؤسسات، مما يجعله في موقع مناسب لتولي هذه المهام".
في المقابل، يبقى التيار الدبلوماسي التقليدي، ممثلاً بوجوه مثل الدبلوماسي عباس عراقجي، حاضراً لكن بوزن أقل، إذ لم يعد يمتلك الغطاء نفسه الذي كان يوفره توازن القوى داخل النظام. ومع تراجع دور "الوسطاء الداخليين" القادرين على التوفيق بين الحرس والمؤسسة السياسية، تصبح عملية اتخاذ القرار أكثر انغلاقاً، وأقرب إلى منطق أمني صرف.
بهذا المعنى، فإن طهران لم تدخل مرحلة "فراغ تفاوضي" بقدر ما دخلت مرحلة تفاوض من دون مفاوضين تقليديين، أي مفاوضات تُدار من داخل غرف أمنية، لا من طاولات دبلوماسية. وهذا التحول لا يعني فقط تصلب الموقف الإيراني، بل يطرح إشكالية أعمق "هل لا يزال هناك في النظام من يملك القدرة والشرعية معاً لإبرام صفقة قابلة للحياة، أم أن أي تفاوض مقبل سيكون مجرد امتداد للصراع بوسائل أخرى؟".
(اندبندنت عربية)