30 أغسطس 2026

مجتمع لا يزال يواجه تحديات التعايش مع المختلف.. حكايات تكشف ثمن إخفاء الهوية والخوف من الوصمة

"حين يصبح الاختلاف سرًا".. يمنيون يخفون جوانب من هوياتهم بحثًا عن حياة طبيعية
29 أغسطس 2026
يمن فريدم-خاص-أحلام المقالح
الصورة مولدة بالذكاء الاصطناعي

 

في الزنزانة التي قاد إليها معتقده الديني، حدث شيء لم يتوقعه مراد علي.

كان قد اعتاد، كما يقول، أن يخشى نظرات الناس بسبب معتقده وأفكاره بوصفه مسيحيًا يمنيًا.

لكنه وجد نفسه، للمرة الأولى، بين أشخاص لا يعرفون عنه إلا أنه سجين مثلهم. لم يسألوه عن دينه أو معتقده قبل أن يتعاملوا معه، ولم تكن هناك عيون تراقب كل كلمة يقولها.

كان هناك، كما يصف التجربة، شيء أبسط: إنسان يتعامل مع إنسان.

يقول مراد (اسم مستعار):

"المفارقة اللي توجع إني ما لقيت القبول وسط المجتمع اللي أنا عايش فيه، بل لقيته بين المساجين اللي كنا معاهم في السجن.. كان فيه بس إنسان يقبلني كإنسان".


لكن ذلك القبول لم يستمر خارج الزنزانة، بعد خروجه من السجن، انقسمت حياته بين رغبة في أن يعيش بصورة طبيعية، يعمل ويندمج ويقدم الخير لمحيطه، وحاجة مستمرة إلى الحذر من أن يعرف الآخرون ما يخفيه عنهم.

في تعز، حيث استقر لاحقًا، يقول إنه يعيش بين أشخاص لا يعرفون عنه إلا ما يختار هو أن يظهره، بينما تحول بعض معارفه القدامى، بعد معرفتهم بتجربته ومعتقده، إلى أشخاص يراقبون كلماته وحركاته.

حتى العودة إلى حياته القديمة لم تعد خيارًا سهلًا.

"اضطريت أبعد عن الكل وأعيش بوسط ناس غرباء عن ماضي عشان أقدر أتنفس".

بالنسبة إلى مراد، لم يعد إخفاء جزء من هويته مجرد قرار شخصي، بل وسيلة لتقليل المخاطر التي يشعر بها في حياته اليومية.

يختصر ذلك بجملة واحدة:

"حياتي اليومية أقدر أسميها حياة ماشي في حقل ألغام".

أن تكون نفسك.. ولكن بحساب

لم يبدأ فارس المحيا حياته وهو ينظر إلى أفكاره باعتبارها سرًا، كان يرى أن اختلاف الناس في الدين والفكر لا يمنعهم من العيش معًا، وأن من حق الإنسان أن يعبر عن رأيه ما دام لا يؤذي الآخرين.

لكن التعبير عن هذه الأفكار، بحسب روايته، قاده إلى الهجوم والتشهير، واتُّهم بالدعوة إلى التنصر، كما يقول إنه فقد فرصًا في العمل وبعض العلاقات والزمالات بسبب دعوته زملاءه إلى تقبل المختلفين في الدين والفكر والعقيدة.

منذ ذلك الوقت، لم تتغير قناعته بقدر ما تغيرت طريقة إظهارها، يقول:

"لم أغير قناعتي، لكنني غيرت طريقة تعاملي معها".

صار يعرف أن بعض الموضوعات لا يمكن الحديث عنها مع الجميع، وأن كلمة غير محسوبة قد تعيده إلى دائرة الخطر التي حاول الابتعاد عنها.

يقول فارس:

"أشوف الناس تعيش حياتها بعفوية وببساطة، بينما أنا أعيش حياة مليانة حذر وترقب"!

لم يعد الحذر مرتبطًا فقط بالحديث عن الدين أو الفكر، بل امتد إلى العلاقات والصداقات وحتى المكان الذي يعيش فيه.

ويصف أقسى ما في التجربة بأنه اضطراره إلى الابتعاد عن أشخاص عرفهم طويلًا، لأنهم أصبحوا، كما يقول، ينظرون إليه "بعيون الشك ".

ومع ذلك، لم يتخلَّ عن قناعاته:

"أنا ما زلت ماشي على دربي اللي اخترته، وما غيرت شيء من قناعاتي.. لأني فضلت أثبت على اللي أشوفه صح ومقتنع فيه مهما كان الثمن غالي".

بين مراد وفارس اختلاف في التجربة، لكن القاسم المشترك بينهما هو أن الخوف لم يدفعهما إلى التخلي عن قناعاتهما، بقدر ما دفعهما إلى إعادة التفكير في الطريقة التي يظهران بها أمام الآخرين.

هوية لا تظهر في العلن

في صنعاء، تعيش سهى محمد (اسم مستعار)، تجربة مختلفة.

سهى موظفة يمنية من طائفة المكارمة تعمل في إحدى المؤسسات التنموية، اختارت عدم الإفصاح عن هويتها الدينية في محيط العمل والحياة العامة، خشية أن تتحول هذه الهوية إلى مصدر للخطر أو التمييز، خصوصًا في مناطق شمال اليمن التي تقيم وتعمل فيها.

لكنها ترفض أن يُفهم إخفاء هويتها باعتباره خجلًا منها.

تقول:

"أخفي هويتي الدينية ليس لأنني أخجل منها، ولا لأنني أرى فيها شيئًا يستوجب الاختباء، وإنما لأنني أعرف طبيعة المخاطر التي قد تترتب على أن يعرف الآخرون انتمائي".

مع الوقت، تعلمت أن تكون أكثر حذرًا في الحديث عن تفاصيل تخصها، وأن تحتفظ بجزء من هويتها لنفسها.

وتكمل بحزن وأسى:

"هذا مؤلم، لأن الإنسان من حقه أن يعيش كما هو، دون أن يشعر أن عليه مراقبة كلماته أو إخفاء جزء من شخصيته حتى يكون آمنًا".

لكن الخوف لم يدفعها إلى الانعزال عن المجتمع.

تعمل سهى في المجال التنموي، وترى في تعاملها اليومي مع الناس مساحة لاختبار فكرة أبسط من التصنيفات الدينية والمذهبية: احتياجات الناس واحدة، ولا تسأل عن هوية من يحتاج إلى المساعدة.

عبرت عن ذلك قائلة:

"أرى إنسانًا يحتاج إلى أن يسمعه أحد، أو يساعده، أو يقف إلى جانبه ".

لذلك قد تخفي هويتها حفاظًا على سلامتها، لكنها لا تريد أن يتحول ذلك إلى إخفاء لإنسانيتها.

"قد أخفي هويتي حفاظًا على سلامتي، لكنني لن أخفي إنسانيتي".

عندما يصبح الإنسان أكبر من طائفته

في مكان عمل سهى، لم تعرف زميلتها مريم مقبل في البداية شيئًا عن خلفيتها الدينية، تعرفت إليها من خلال العمل والمهام اليومية وطريقة تعاملها مع الآخرين /تقول مريم:

"بدأت أتعرف إليها كإنسانة قبل أن أعرف أي تفاصيل أخرى عن خلفيتها".

كانت تراها تستمع إلى الناس، وتتعامل مع احتياجاتهم بجدية، وتحرص على وصول المساعدة إلى من يحتاجها. وبالنسبة إليها، لم يكن الانتماء الديني هو التفصيل الأكثر حضورًا.

تسرد:

"في العمل، لم تكن بالنسبة لي شخصًا من طائفة مختلفة، كانت زميلة أثق بها وألجأ إليها، وإنسانة أراها حريصة على الآخرين".

تقول مريم إن هذه التجربة جعلتها تعيد النظر في الأفكار العامة التي قد تتكون لدى الإنسان عن جماعة المكارمة التي لم يُعرف أفرادها عن قرب، فالعلاقة المباشرة، بحسب تجربتها، يمكن أن تجعل الصورة النمطية أقل حضورًا؛ لأن الإنسان يكتشف أن الشخص الذي أمامه أكثر تعقيدًا من التصنيف الذي يحمله عنه، وتختصر ذلك:

"كلما ابتعدنا عنه، يصبح من السهل أن نضع له صورة من خيالنا، وكلما اقتربنا منه كإنسان، اكتشفنا أن بيننا أشياء كثيرة مشتركة ".

بالنسبة إلى مريم، لم تكن التجربة بحاجة إلى خطاب طويل عن التسامح.

تتحدث:

"لا نحتاج إلى محاضرات طويلة عن التعايش؛ نحتاج فقط إلى أن نعيش تجربة حقيقية مع شخص مختلف عنا". فالعمل، كما ترى، يحول "الآخر" من فكرة مجردة إلى شخص له أحلام ومخاوف ومشاعر، ويمكن أن يصبح زميلًا وصديقًا وشخصًا يثق به الآخرون.

اختلاف آخر

الاختلاف في اليمن لا يظهر فقط في الدين والمعتقد.

في مكان آخر من المجتمع، تواجه جميلة أحمد، وهي امرأة مهمشة تعمل في إحدى المؤسسات الحكومية، صورة نمطية مختلفة: أن المهمش لا يصلح إلا لأعمال النظافة أو الخدمة المنزلية.

بالنسبة إليها، يظهر هذا التصنيف بوضوح في المكان الذي يفترض أن يكون مساحة لإثبات الذات: العمل.

تقول إن البعض قد يرى انتماءها قبل شهادتها وقدراتها. وأحيانًا لا يأتي التمييز في صورة كلمة صريحة؛ قد يكون نظرة، أو استغرابًا من كونها متعلمة، أو تعاملًا مع طموحها باعتباره أمرًا غير متوقع.

تقول:

"كأن هناك صورة جاهزة في أذهان البعض: المهمش يعمل في النظافة أو الخدمة المنزلية، وإذا خرج أحدنا من هذه الصورة، يبدأون في تذكيره بأصله".

في الشارع قد تكون الكلمة أو النظرة، وفي المناسبات الاجتماعية قد يظهر السؤال عن الأصل، لكن الأمر يصبح أكثر إيلامًا في الدراسة والعمل، حيث تريد أن تُقيّم على أساس اجتهادها وكفاءتها.

تسرد:

"تدخل المكان وأنت تريد أن تُقيّم على أساس اجتهادك وكفاءتك، ثم تجد أن هناك من يضعك في خانة معينة قبل أن يعرف ماذا تستطيع أن تفعل".

عندما لا يكفي النجاح

كانت جميلة تعتقد في البداية أن التعليم والنجاح سيجعلان الناس يرونها مثل أي شخص آخر، لكنها اكتشفت أن تغيير الصورة الموجودة في أذهان الناس قد يكون أصعب من الحصول على الشهادة نفسها.

تضيف:

"في البداية كنت أعتقد أن التعليم والنجاح سيجعلان الناس يرونني كأي شخص آخر، ثم اكتشفت أن تغيير الصورة الموجودة في أذهان الناس أصعب من الحصول على الشهادة نفسها"!

تعلمت ونجحت وحققت طموحًا مهنيًا، لكنها اكتشفت أن الشهادة لا تمحو بالضرورة التصنيف الاجتماعي.

والأمر، بالنسبة إليها، لا يتعلق بالفرص وحدها، بل بالشعور المستمر بأنها مطالبة بإثبات أنها تستحق ما وصلت إليه، تعبر عن ذلك قائلة:

"أحيانًا أشعر أن عليّ أن أكون ممتازة، وليس جيدة فقط، أن أكون أكثر التزامًا، وأكثر اجتهادًا، وأكثر حرصًا على صورتي أمام الآخرين؛ لأن الخطأ الذي يرتكبه الفرد قد لا يبقى خطأً شخصيًا، بل قد يستخدم لتأكيد صورة نمطية عن مجتمعه"، وهذا بحد ذاته ضغط لا يراه الآخرون بالضرورة – على حد قولها.

حتى الزواج والعلاقات الاجتماعية قد تدخل فيها التصنيفات الاجتماعية. فبحسب تجربتها، لا يتعلق الزواج بشخصين فقط، وإنما بعائلتين ونظرة اجتماعية أوسع، وقد تكون هناك مشاعر حقيقية بين شخصين، لكن دخول الأصل الاجتماعي إلى المعادلة يخلق حواجز وأسئلة لم تكن موجودة في البداية.

ورغم ذلك، لا تطلب جميلة امتيازًا بسبب انتمائها الاجتماعي، ما تطلبه هو تكافؤ الفرص، فتقول:

"كثير منا لا يريد معاملة خاصة. نريد فقط أن تُحسب لنا الفرصة بالطريقة نفسها التي تُحسب بها للآخرين"، وتضيف بثقة:

"أنا لا أريد أن يقول لي أحد: أعطيناك الفرصة لأنك مهمشة. أريد أن يقول: أعطيناك الفرصة لأنك تستحقينها".


بالنسبة إليها، التعايش لا يُختبر في الندوات والخطابات، وإنما في اللحظة التي يقف فيها شخص مختلف أمامنا ونقرر كيف سنتعامل معه.

حين تتحول الاختلافات إلى صور نمطية

تلتقي هذه القصص، رغم اختلافها، عند نقطة واحدة: التصنيف المسبق يمكن أن يسبق معرفة الإنسان نفسه.

تقول نادية مصطفى، الباحثة في علم الاجتماع في تعز، إن إخفاء الهوية الدينية أو الفكرية لا ينبغي فهمه دائمًا باعتباره تراجعًا عن القناعة أو شعورًا بالخجل منها.

في بعض الحالات، بحسب تحليلها، يكون إخفاء الهوية استراتيجية للتكيف والحماية الاجتماعية عندما يشعر الفرد بأن إظهار هويته قد يعرضه للرفض أو الوصم أو فقدان العلاقات والفرص.

في مجتمع مرّ بسنوات طويلة من الصراع والاستقطاب، تصبح بعض أشكال الاختلاف أكثر حساسية. وعندما ترتبط هوية الفرد في الوعي الجمعي بجماعة أو موقف يُنظر إليه باعتباره "الآخر"، يجد الشخص نفسه أمام معادلة صعبة: أن يكون صريحًا مع هويته ويتحمل تبعات ذلك، أو يخفي جزءًا منها للحفاظ على أمنه وعلاقاته ومصالحه.

وتشير نادية إلى أن الرقابة الخارجية يمكن أن تتحول مع الوقت إلى رقابة ذاتية.

يبدأ الإنسان بالسؤال: ماذا سيحدث إذا عرف الآخرون؟ ثم يبدأ في مراقبة كلماته، والأشخاص الذين يستطيع التحدث أمامهم، وما ينشره على وسائل التواصل الاجتماعي، وحتى الأماكن التي يشعر فيها بالأمان.

وبذلك، لا يبقى أثر التمييز في موقف واحد، وإنما قد يمتد إلى طريقة إدارة الإنسان لحياته وعلاقاته.

وقد يؤدي ذلك، اجتماعيًا، إلى تضييق دوائر الثقة والعزلة، إذ يصبح اختيار الأشخاص قائمًا أحيانًا على الأمان أكثر من الصداقة أو التوافق.

أما عندما يتعلق الأمر بالصور النمطية، فتقول نادية:

"الصور النمطية لا تجعلنا نرى الواقع كما هو، وإنما تجعلنا نرى الواقع من خلال توقعاتنا السابقة".

وتوضح أن معرفة فرد من جماعة مختلفة يمكن أن تكسر التعميم تدريجيًا، لكن العلاقة الفردية لا تؤدي بالضرورة وحدها إلى تغيير الصورة عن الجماعة بأكملها، فعندما يصبح المختلف زميلًا أو صديقًا أو جارًا، يصبح من الصعب اختزاله في الصفة التي كان يحملها في الذهن.

من خطاب الكراهية إلى الحياة اليومية

يرى شائف الجابري، الباحث في خطاب الكراهية، أن سنوات الحرب والاستقطاب أثرت في الخطاب الإعلامي اليمني، وأن جزءًا منه بات يحمل أشكالًا من التعصب والمذهبية وخطاب الكراهية، سواء بصورة مقصودة أو غير مقصودة.

ويربط الجابري ذلك أيضًا بضعف التدريب الإعلامي وتأثر بعض العاملين في الإعلام ببيئاتهم الاجتماعية.

ويقول إن الصور النمطية يمكن أن تصل إلى الجمهور عبر قنوات متعددة، من المنتجات الإعلامية والبصرية والمحتوى الرقمي إلى الخطب الدينية وبعض "الأناشيد والزوامل والخطاب السياسي".

أما وسائل التواصل الاجتماعي، فيراها من أكثر المساحات تأثيرًا في تداول الشائعات والمعلومات غير المستندة إلى أدلة، خصوصًا مع سهولة إنتاج المحتوى البصري وتداوله.

لكن المشكلة، بحسب الجابري، لا تتعلق فقط بما يقوله الإعلام، وإنما بالطريقة التي يتناول بها قضايا الأقليات والمختلفين.

فالصحفي، كما يرى، قد يعيد إنتاج ثقافة الكراهية دون أن يدرك ذلك، لأن البيئة الاجتماعية التي جاء منها قد تؤثر في اللغة التي يستخدمها والصورة التي يقدم بها الآخر.

ولهذا يميز بين النقد والتحريض:

"النقد المشروع يرتكز على الأفكار والنصوص والممارسات، أما التحريض فيرتكز على الأشخاص والجماعات بصفتهم الجغرافية أو المذهبية".

وعندما يتكرر وصف جماعة ما باعتبارها خطرًا أو تهديدًا، يصبح من الأسهل التعامل مع أفرادها باعتبارهم ممثلين للجماعة قبل النظر إليهم كأفراد، وهنا تنتقل الصورة من الخطاب إلى الحياة اليومية.

بين الحق على الورق والخوف في الواقع

لا تتوقف القضية عند الجانب الاجتماعي.

فعندما يخشى الإنسان التعبير عن معتقده أو فكره، أو يشعر بأن أصله الاجتماعي قد يؤثر في فرصه، يظهر سؤال أساسي: ماذا تقول القوانين عن حقه في أن يكون مختلفًا؟

ينص الدستور اليمني في المادة (41) على أن:

(المواطنون جميعهم متساوون في الحقوق والواجبات)

وتنص المادة (42) على أن الدولة تضمن للمواطن حرية الفكر والتعبير عن الرأي بالكلام والكتابة والتصوير، في حدود القانون.

وعلى المستوى الدولي، اليمن دولة طرف في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية منذ عام 1987، ويتضمن العهد حماية حرية الفكر والوجدان والدين في المادة (18)، وحرية الرأي والتعبير في المادة (19)، ومبدأ المساواة وعدم التمييز في المادة (26)، إضافة إلى حماية حقوق الأقليات الدينية واللغوية والعرقية في المادة (27).

وتوضح المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان أن حرية التعبير تشمل الأفكار والمعلومات في المجالات السياسية والدينية والثقافية، وأنها تحمي الأفراد دون تمييز على أساس الدين أو الرأي أو الأصل الاجتماعي وغيرها من الأوضاع.

وفي الوقت نفسه، يمكن أن تخضع ممارسة حرية التعبير لقيود محددة ينص عليها القانون وتكون ضرورية لحماية حقوق الآخرين أو الأمن أو النظام العام، كما لا تمتد الحماية إلى التحريض على التمييز أو العداوة أو العنف.

لكن الاعتراف بالحق في النص لا يعني تلقائيًا أن الفرد يستطيع ممارسته بأمان، وهنا تظهر الفجوة التي تكشفها شهادات الشخصيات في هذا التقرير.

ترى سعاد الحكيمي، المحامية، أن الإطار القانوني اليمني والمواثيق الدولية التي التزمت بها اليمن يتضمنان مبادئ تتصل بالمساواة وحرية الرأي والمعتقد وعدم التمييز، لكنها ترى أن هناك فجوة بين النصوص والممارسة الفعلية.

وتقول:

"هناك فجوة كبيرة بين تلك القوانين والتشريعات وبما هو ملموس على أرض الواقع ".

وهذه الفجوة لا تعني بالضرورة غياب الحق القانوني، وإنما تكشف أن حماية الحقوق تحتاج، إلى جانب النصوص، إلى مؤسسات وآليات فعالة تمنع التمييز وتحمي الأفراد عندما يتحول الاختلاف إلى سبب للإقصاء أو التخويف.

وقد أشارت الأمم المتحدة في تقاريرها المتعلقة باليمن إلى أهمية حماية حرية التعبير ومواجهة القيود والانتهاكات التي تطال ممارستها، كما تناولت قضايا تتعلق بحرية الدين والمعتقد وعدم التمييز وحماية الأقليات.

وهكذا تبدو المفارقة واضحة:

قد يكون الحق موجودًا على الورق، لكن ممارسة الحق تحتاج إلى بيئة يستطيع فيها الإنسان استخدامه دون أن يتحول اختلافه إلى مصدر للخوف.

ماذا يخسر المجتمع؟

تكشف هذه القصص أن أثر التمييز لا يقع على الفرد وحده.

عندما يصمت شخص خوفًا من التشهير، يخسر المجتمع أيضًا رأيًا كان يمكن أن يشارك في النقاش العام.

وعندما تخفي امرأة طائفتها حتى تتمكن من العمل بأمان، لا تختفي هويتها فقط، بل تضيع أيضًا فرصة لأن يرى الآخرون المختلف بوصفه زميلًا وشريكًا في خدمة المجتمع.

وعندما تحقق امرأة مهمشة تعليمًا ونجاحًا، ثم تظل مطالبة بإثبات أنها تستحق ما وصلت إليه، فإن المجتمع لا يخسرها وحدها، بل يخسر نموذجًا يمكن أن يساعد على كسر صورة نمطية عن جماعة بأكملها.

لهذا لا يبدو السؤال الحقيقي:

كيف نساعد المختلف؟

بل: كيف نضمن ألا يخسر المجتمع أشخاصه بسبب الطريقة التي ينظر بها إليهم؟


التعايش ليس شعارًا

بالنسبة إلى نادية، لا يبدأ التعايش الحقيقي عندما نتحدث عنه، وإنما عندما يصبح المختلف أمامنا بالفعل.

هل نستطيع أن نعمل مع شخص يختلف عنا؟ هل نستطيع أن نحترم معتقده دون أن نتبناه؟ هل نعطيه الفرصة نفسها؟ هل نسمح له بالتعبير عن رأيه ما دام لا يحرض على إيذاء الآخرين؟ وهل نستطيع أن نستمر في الثقة به بعد أن نعرف أنه مختلف عنا؟

تقول نادية:

"هنا يصبح التعايش اختبارًا حقيقيًا".

فالفرق بين التعايش كشعار والتعايش كسلوك يظهر في القرارات اليومية: من نوظف؟ من نثق به؟ من نسمح له بالكلام؟ ومن نعتبره جديرًا بالفرصة؟

ولهذا لا ترى نادية أن مطالبة الناس فقط بـ "تقبل الآخر" كافية، فالتغيير يحتاج إلى خبرات اجتماعية جديدة، وبيئات تعليمية ومهنية تسمح بالتنوع، ومساحات آمنة للحوار، وإعلام يقدم المختلف باعتباره إنسانًا كاملًا لا مجرد ممثل لجماعته، ومؤسسات تطبق تكافؤ الفرص في الممارسة لا في الخطاب فقط.

الاختلاف ليس المشكلة

لا تطلب الشخصيات التي التقاها التحقيق من الآخرين التخلي عن معتقداتهم، مراد وفارس يريدان أن يعيشا وفق قناعاتهما دون أن يتحول الاختلاف إلى تهديد، أيضا سهى لا تطلب من الآخرين اعتناق معتقدها، ولا تريد أن يُطلب منها التخلي عن هويتها حتى تُقبل.

جميلة لا تطلب امتيازًا بسبب أصلها الاجتماعي؛ تريد فقط أن تُحسب لها الفرصة كما تُحسب للآخرين، ومريم لم تحتج إلى خطاب طويل حتى تغير نظرتها؛ احتاجت إلى علاقة يومية مع إنسانة تعرفت إليها قبل أن تعرف تصنيفها.

في هذه القصص، لا يبدو الاختلاف هو المشكلة.

المشكلة تبدأ عندما يتحول الاختلاف إلى حكم مسبق، عندما يصبح الانتماء أهم من الكفاءة.

وعندما تصبح الهوية سببًا للشك، وعندما يصبح التعبير عن الرأي مخاطرة.

وعندما يضطر الإنسان إلى مراقبة نفسه حتى لا يكشف جزءًا من شخصيته.

أن يعيش الإنسان دون أن يخفي نفسه

بدأ مراد قصته بالحديث عن "حقل ألغام"

وبين الزنزانة التي وجد فيها قبولًا إنسانيًا، والحياة التي اضطر فيها إلى الحذر، تتضح المسافة التي يمكن أن يصنعها الخوف بين الإنسان وهويته.

لم تطلب الشخصيات في هذا التقرير أن يتشابه المجتمع كله.

طلبها أبسط من ذلك:

أن يستطيع الإنسان أن يختلف دون أن يخاف.. أن يعمل دون أن يخفي أصله. أن يتحدث دون أن تتحول كلماته إلى تهمة.. أن يحصل على فرصة لأنه يستحقها، لا لأن الآخرين قرروا مسبقًا ما يستطيع وما لا يستطيع.

في بلد أنهكته سنوات من الصراع والاستقطاب، قد لا يكون التعايش هو أن نتفق جميعًا.

ربما تكون بدايته أكثر بساطة:

أن نرى الإنسان قبل أن نرى تصنيفه، وأن نترك له مساحة ليكون مختلفًا دون أن نطالبه بدفع ثمن اختلافه.

فالمجتمع لا يحتاج إلى إزالة الاختلاف حتى يعيش أفراده معًا.

يحتاج فقط إلى ألا يتحول الاختلاف إلى عقوبة.

وربما تختصر عبارة أخرى جوهر الحكايات كلها:

"حين تطغى الإنسانية، لا يعود الاختلاف مرئيًا".


 

الفيس بوك
تويتر

جميع الحقوق محفوظة YemenFreedom ---- تصميم وبرمجة ALRAJIHI