منذ أعوام يعيش الإيرانيون في سلسلة قاسية من الأزمات، إذ تشير البيانات إلى تراجع كبير في الناتج المحلي الإجمالي، وبالتبعية يقفز معه العجز الكلي، ويسهم ذلك في تقليص دخل الأسر الإيرانية التي سقطت الشريحة الأكبر منها في قبضة الفقر والجوع.
خلال عام 2006 كان نصيب الفرد الإيراني من الناتج المحلي الإجمالي يصل إلى 5975 دولاراً، مع تضخم عند مستوى 5.6%، ثم تراجع هذا الدخل إلى مستوى 5500 دولار خلال عام 2017، مع ارتفاع المعدل السنوي للتضخم إلى مستوى 6.9%.
وخلال عام 2018 انخفض نصيب الفرد الإيراني من الناتج المحلي الإجمالي إلى نحو 4783 دولاراً، مع تسجيل أول قفزة كبيرة لمعدل التضخم عند مستوى 20.6%، لكن عام 2019، واصل دخل الفرد تراجعه ليسجل نحو 3300 دولار، مع تسجيل التضخم مستوى 50% وهو أعلى مستوى تشهده البلاد في هذا التوقيت.
وفي عام 2020 انهار متوسط نصيب كل مواطن إيراني من الناتج المحلي الإجمالي ليصل إلى 2493 دولاراً، مع هدوء معدل التضخم نسبياً إلى مستوى 36.4%، لكن مع انتهاء أزمة جائحة كورونا وعودة النفط إلى الصعود، فقد ارتفع متوسط نصيب الفرد الإيراني خلال عام 2021 إلى نحو 4605 دولارات، لكن عاد التضخم إلى الارتفاع ليسجل نحو 43%.
لكن حتى عام 2024 كان نصيب الفرد الإيراني في حدود 5 آلاف دولار لكن ظل التضخم قرب مستوى 50%، فيما عاد متوسط دخل الفرد الإيراني إلى التراجع خلال عام 2025 ليسجل نحو 4260 دولاراً، مع تضخم عند مستوى 49.4%.
وتشير التقديرات إلى استمرار تراجع نصيب الفرد الإيراني من الناتج المحلي الإجمالي إلى مستوى 3415 دولاراً خلال العام الحالي، مع استقرار معدل التضخم عند مستوى قرب 90%.
ضغوط وانكماش اقتصادي
على صعيد الأداء الاقتصادي، انكمش الاقتصاد الإيراني عام 2018 بنسبة تراوحت ما بين 4 و5%، متأثراً بشكل مباشر بقرار الإدارة الأمريكية بالانسحاب من الاتفاق النووي وإعادة فرض العقوبات الاقتصادية القاسية على طهران، مما أدى إلى تراجع حاد في صادرات النفط وشل حركة الأسواق وانهيار العملة المحلية.
وخلال عام 2019، شهد اقتصاد إيران انكماشاً حاداً بلغ نحو 9.5% وفقاً لتقديرات صندوق النقد الدولي، وهو أسوأ أداء اقتصادي للبلاد منذ عام 1984، وذلك نتيجة لسياسة العقوبات المشددة التي فرضت ضغطاً هائلاً على قطاع النفط والغاز والإيرادات الحكومية.
وظل الاقتصاد الإيراني في حال انكماش وتراجع طوال الأعوام الماضية، ليسجل انكماشاً بنسبة 0.7% خلال العام الماضي وفقاً لأرقام البنك المركزي الإيراني، بينما قدر صندوق النقد الدولي نسبة الانكماش بنحو 1.5% متأثراً بالعقوبات المستمرة وتداعيات التوترات العسكرية وأزمات الطاقة.
ويقدر صندوق النقد الدولي انكماش الاقتصاد الإيراني عام 2026 بنسبة تراوح ما بين 5.4% و6.1%، وسط حال من الركود التضخمي الحاد وتصاعد الضغوط المالية والعقوبات.
رحلة انهيار تاريخية للريال
على صعيد العملة شهد الريال الإيراني رحلة هبوط تاريخية وحادة أمام الدولار الأمريكي منذ عام 2016، إذ تخلف سعر الصرف في السوق الحرة من نحو 30 ألف ريال للدولار الواحد في بداية 2016 ليصل إلى مستويات متدنية غير مسبوقة متجاوزاً حاجز المليون ونصف المليون ريال لكل دولار عام 2026.
في عام 2016، بدأ الدولار بنحو 30 ألف ريال، وصعد بنهاية العام إلى 41500 ريال متأثراً بالضبابية السياسية وفوز دونالد ترمب بالرئاسة الأميركية ومخاوف إلغاء الاتفاق النووي. وفي عام 2018، سجل الريال تراجعاً متسارعاً مع الانسحاب الأميركي الرسمي من الاتفاق النووي وعودة العقوبات الاقتصادية القاسية، ليقفز الدولار إلى عتبة 90 ألف ريال.
وخلال عامي 2019 و2020، واصل الريال السقوط الحر بفعل الضغوط التضخمية ونقص موارد النقد الأجنبي، متجاوزاً حواجز 130 ألفاً وصولاً إلى مئات الآلاف. ومنذ بداية العام الماضي، تفاقمت الأزمة بصورة غير مسبوقة مع موجات التضخم الحادة والاضطرابات الاقتصادية والتوترات السياسية والعسكرية، ليقترب سعر صرف الدولار في السوق الحرة من مستويات تتجاوز مليوني ريال إيراني للدولار الواحد.
عجز متسارع يزيد معدلات الفقر بنسب كبيرة
بالنسبة إلى العجز، شهدت إيران منذ عام 2016 مساراً متصاعداً من العجز الاقتصادي والمعيشي والأزمات الهيكلية، وقد تفاقم بفعل العقوبات الدولية، والتوترات العسكرية الإقليمية والدولية، وانخفاض القيمة الحقيقية للعملة المحلية والقدرة الشرائية للمواطنين، وصولاً إلى أزمات خانقة في قطاعات الطاقة والخدمات الأساسية.
جاء ذلك مع تراجع حاد ومزمن في قيمة الريال الإيراني أمام العملات الأجنبية بسبب تسييس الاقتصاد وتجدد العقوبات الغربية، مع تسجيل عجز واسع في الموازنة العامة للدولة وارتفاع ملحوظ في معدلات التضخم التي أثقلت كاهل الطبقة الوسطى والفقيرة، إضافة إلى تآكل المداخيل الحقيقية للأسر حتى باتت نسبة كبيرة من الدخل تنفق على المواد الغذائية الأساسية وحدها.
ومع تفاقم العجز، فقد زادت حدة أزمة انقطاعات التيار الكهربائي المتكررة في المدن الكبرى والمحافظات خلال فترات الذروة الصيفية، إضافة إلى عجز قطاع الوقود عن تلبية الحاجات المحلية، مما دفع السلطات إلى تقليص حصص البنزين واللجوء لخيارات بديلة لتخفيف النقص الحاد، مع ضغوط غير مسبوقة على البنى التحتية للصناعة والزراعة نتيجة شح الطاقة وارتفاع كلفة التشغيل.
ومع تفاقم العجز، فقد ارتفعت معدلات الفقر واتسع نطاق سوء التغذية بين فئات واسعة من السكان، فيما لجأت شرائح متضررة من المجتمع إلى اقتصاد العمل الموقت والحلول المعيشية المتقشفة لمواجهة غلاء المعيشة، بينما لجأت الحكومة الإيرانية إلى برامج إعادة التحقق الرقمي وتقنين الدعم لترشيد الفجوات التمويلية المتسعة.
تآكل القوة الشرائية وابتلاع الطبقة الوسطى
البيانات المتاحة تشير إلى ارتفاع معدل الفقر في المدن الإيرانية من مستوى 20% خلال عام 2016، إلى نحو 36% في الوقت الحالي، مما أدى إلى دخول ملايين من الإيرانيين الجدد تحت خط الفقر المدقع وابتلاع الطبقة الوسطى.
وخلال عامي 2016 و2017، انخفض معدل الفقر وسجل معدلات أحادية الرقم في التضخم عند نحو 19% إلى 20% كمؤشر عام. وسادت حال من التفاؤل المعيشي المحدود بعد توقيع الاتفاق النووي وتحسن طفيف في مؤشرات العمل.
تحمل الفترة بين عامي 2018 و2109 لقب الصدمة الأولى وعودة العقوبات مع انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي وعودة العقوبات الاقتصادية القاسية. وقفز قفز معدل الفقر متجاوزاً عتبة 30% مع تآكل القوة الشرائية وارتفاع التضخم المتمثل في أسعار السلع الأساسية.
وانتقلت البلاد إلى مرحلة التضخم المزمن والركود خلال الفترة من 2020 وحتى 2023، وتشير تقارير برلمانية إلى أن أكثر من 26 مليون مواطن إيراني أصبحوا تحت خط الفقر المطلق مع عجز الأجور والرواتب عن ملاحقة الارتفاع الجنوني لأسعار المواد الغذائية واللحوم ومنتجات الألبان.
بينما تشهد الفترة من 2024 حتى العام الحالي، دخول البلاد في الأزمة الشاملة وابتلاع الطبقة الوسطى مع تجاوز معدل الفقر مستوى 36%، وانتقلت موجة الفقر من الطبقات الهشة والريفية لتلتهم قطاعات واسعة من الطبقة الوسطى الحضرية، وتحويل الاقتصاد الإيراني بفعل التضخم الجامح وانهيار قيمة العملة إلى بيئة منتجة للفقر المستدام.
(خالد المنشاوي)