حذّر الاتحاد الأوروبي أمس السبت من "دوامة خطرة"، بعدما أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب فرض رسوم جمركية على ثماني دول أوروبية "لحين التوصل إلى اتفاق لشراء غرينلاند".
وأعلنت قبرص التي تتولى الرئاسة الدورية للاتحاد الأوروبي أن اجتماعاً طارئاً لسفراء دول التكتل سيعقد عصر اليوم الأحد في بروكسل.
وقال عضو ألماني بارز في البرلمان الأوروبي إن التهديد الأخير لترمب يضع اتفاقية التجارة بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة التي تم التوصل إليها العام الماضي موضع تساؤل.
وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا في بيان مشترك صدر بعد تلويح ترمب بفرض رسوم جمركية قد تصل نسبتها إلى 25%، إن "فرض رسوم جمركية سيضعف العلاقات عبر الأطلسي، ويهدد بدخول العالم في دوامة انحدارية خطرة". وأكدا أن "أوروبا ستبقى موحدة ومنسقة وملتزمة الدفاع عن سيادتها".
وصدر هذا الموقف بعد أيام على إجراء مسؤولين دنماركيين وغرينلانديين محادثات في واشنطن في شأن سعي ترمب لضم غرينلاند، من دون التوصل إلى اتفاق.
وأضافت فون دير لاين وكوستا "يبدي الاتحاد الأوروبي تضامناً كاملاً مع الدنمارك وشعب غرينلاند. يبقى الحوار أساسياً، ونحن ملتزمون البناء على العملية التي بدأت الأسبوع الماضي بين مملكة الدنمارك والولايات المتحدة".
وكان ترمب أشار في منشور على منصته "تروث سوشيال" إلى أنه ابتداءً من الأول من فبراير/ شباط المقبل ستخضع الدول المعنية لرسوم جمركية بنسبة 10% على جميع المنتجات التي تصدرها إلى الولايات المتحدة.
"دول تمارس لعبة خطرة للغاية"
تطاول الرسوم الجمركية الجديدة الدنمارك ودولاً أوروبية أخرى أعضاء في حلف شمال الأطلسي، قامت قبل أيام بنشر قوات في غرينلاند. وأضاف "بحلول الأول من يونيو/ حزيران سترتفع الرسوم الجمركية إلى 25%. وستظل مستحقة الدفع حتى يتم التوصل إلى اتفاق لشراء غرينلاند بالكامل".
ورأى ترمب أن "هذه الدول التي تمارس هذه اللعبة الخطرة للغاية انتهجت مستوى من المخاطرة لا يمكن تقبله وغير قابل للاستمرار". وأضاف "لذا من الضروري من أجل حماية السلام والأمن العالميين أن يتم اتخاذ إجراءات قوية لإنهاء هذا الوضع الذي من المرجح أن يكون خطراً، بسرعة ومن دون أي شك".
اتفاقية التجارة بين الاتحاد وواشنطن "موضع تساؤل"
وقال العضو الألماني في البرلمان الأوروبي مانفريد فيبر زعيم "حزب الشعب الأوروبي"، وهو أكبر تكتل في الهيئة، إن تصريحات ترمب الأخيرة تضع اتفاقية التجارة بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة موضع تساؤل.
وجاء في منشور له على منصة "إكس" إن "حزب الشعب الأوروبي يؤيد اتفاقية التجارة بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، لكن في ضوء تهديدات دونالد ترمب في شأن غرينلاند، لا يمكن المصادقة عليها في هذه المرحلة".
وفي يوليو/ تموز الماضي توصل الرئيس الأميركي ورئيسة المفوضية الأوروبية إلى اتفاق يقضي بتحديد نسبة الرسوم الجمركية على معظم صادرات الاتحاد الأوروبي إلى الولايات المتحدة عند 15%، لكن الطرفين يسعيان لانتزاع إعفاءات لقطاعات إضافية.
الدنمارك فوجئت بموقف ترمب
وأكدت الدنمارك على لسان وزير خارجيتها أنها فوجئت بموقف ترمب. وقال لارس لوك راسموسن في بيان تلقته وكالة الصحافة الفرنسية إن "الهدف من زيادة الوجود العسكري (الأوروبي) في غرينلاند الذي أشار إليه الرئيس (ترمب)، هو تحديداً تعزيز الأمن في القطب الشمالي".
وفي فرنسا استنكر الرئيس إيمانويل ماكرون أمس السبت إعلان ترمب وقال في منشور على منصة إكس، "التهديدات بفرض رسوم جمركية غير مقبولة ولا مكان لها في هذا السياق". وأضاف "سيرد الأوروبيون بطريقة موحدة ومنسقة إذا تأكد ذلك. وسنضمن احترام السيادة الأوروبية".
وقال ماكرون "لا يمكن لأي ترهيب أو تهديد أن يؤثر فينا، لا في أوكرانيا، ولا في غرينلاند، ولا في أي مكان آخر في العالم". وأكد أن فرنسا "ملتزمة بسيادة واستقلال الدول، في أوروبا كما في غيرها. وهذا ما يوجّه خياراتنا.
وهذا ما يدعم التزامنا بميثاقنا وفي إطار الأمم المتحدة". وأضاف "على هذا الأساس ندعم أوكرانيا، وبنينا تحالفاً للراغبين في سلام راسخ ودائم، للدفاع عن هذه المبادئ وعن أمننا. وعلى هذا الأساس أيضاً، قررنا الانضمام إلى التدريب الذي قررت الدنمارك تنظيمه في غرينلاند. ونحن نتحمل مسؤوليته، وخصوصاً أنه يتعلق بالأمن في القطب الشمالي وعلى حدود أوروبا".
وأفادت أوساط ماكرون بأنه سيتحدث "في الساعات القليلة المقبلة" مع نظرائه الأوروبيين، خصوصاً أولئك الذين تستهدفهم مباشرة هذه الرسوم الأميركية الجديدة، مع التذكير بأن الاتحاد الأوروبي يمتلك "أدوات قوية تتيح الرد على هذه الممارسات والدفاع عن شركاته".
وكذلك بالنسبة إلى رئيس الحكومة السويدية أولف كريسترسن الذي أكد أن بلاده "لن تخضع للترهيب".
وفي بريطانيا اعتبر رئيس الوزراء كير ستارمر أن "فرض رسوم جمركية على الحلفاء الذين يسعون إلى تحقيق الأمن المشترك لأعضاء الناتو أمر خاطئ تماماً"، مضيفاً "سنتابع هذا الأمر بشكل مباشر مع الإدارة الأمريكية".
أزمة غير مسبوقة داخل الناتو
منذ عودته إلى البيت الأبيض فرض ترمب رسوماً جمركية على صادرات غالبية الشركاء التجاريين للولايات المتحدة، وذلك رداً على ما تعده إدارته ممارسات تجارية غير عادلة، وكأداة ضغط على الحكومات.
ويهدد إجراؤه الأخير بالتسبب بأزمة غير مسبوقة داخل حلف شمال الأطلسي، خصوصاً أن الولايات المتحدة التي تعد أبرز أركانه تهدد بالاستيلاء على إقليم تابع لعضو آخر في الحلف هو الدنمارك.
ومنذ عودته إلى السلطة أعلن ترمب مراراً عن نيته الاستحواذ على الجزيرة القطبية الشاسعة والغنية بالمعادن. وأكد أنه سيستولي عليها "بطريقة أو بأخرى"، بحجة أن هذا أمر ضروري لمواجهة التقدم الروسي والصيني في القطب الشمالي.
ومع ذلك أشار السبت إلى أنه "منفتح على التفاوض فوراً مع الدنمارك أو أي من هذه الدول".
"غرينلاند ليست للبيع"
في الأثناء شهدت نوك عاصمة غرينلاند ومدن دنماركية عدة من بينها العاصمة كوبنهاغن تظاهرات شارك فيها آلاف الأشخاص احتجاجًا على رغبة ترمب في الاستحواذ على الجزيرة.
وفي وسط نوك تجمع آلاف من المتظاهرين من بينهم رئيس وزراء غرينلاند ينس فريدريك نيلسن تحت أمطار خفيفة.
وكانوا يلوحون بعلم غرينلاند ويرتدون قبعات كتب عليها "اجعلوا أميركا ترحل" ويؤدون أغاني الإنويت التقليدية، بحسب ما أفاد صحافي في الصحافة الفرنسية في المكان.
وتظاهر حشد من الأشخاص في ساحة مبنى بلدية كوبنهاغن حاملين أعلام غرينلاند والدنمارك، وهتفوا "كالاليت نونات!"، وهو اسم غرينلاند باللغة المحلية، بحسب ما أفاد صحافيون في وكالة الصحافة الفرنسية.
وسار عديد من المسؤولين السياسيين الدنماركيين، من بينهم رئيسة بلدية كوبنهاغن ووزيرة، مع المتظاهرين.
وأمام السفارة الأمريكية تناوب عدد من المنظمين على منصة وهم يغنون ويرددون شعارات "غرينلاند ليست للبيع"، معربين عن أملهم في أن يرى ممثلو الولايات المتحدة هذا الحشد الكبير، وذلك في ظل وجود وفد من الكونغرس في كوبنهاغن.
ونظمت تظاهرات أخرى في مدن مثل آرهوس (وسط) وألبورغ (شمال) وأودنسه (جنوب).
"مخاوف أمنية"
في كوبنهاغن أبدى وفد يضم أعضاء من الحزبين الجمهوري والديمقراطي في الكونغرس الأمريكي دعمهم لغرينلاند، وذلك في اليوم الأخير من زيارتهم التي التقوا خلالها رئيسة الوزراء الدنماركية، ورئيس حكومة غرينلاند، وعدداً من رؤساء الشركات، إضافة إلى نواب في البرلمان الدنماركي.
وأشاد السيناتور الديمقراطي كريس كونر الذي يترأس الوفد بتحالف عمره 225 سنة مع الدنمارك.
وأكد "عدم وجود تهديدات مباشرة لغرينلاند". وأضاف "لكننا نتشارك مخاوف فعلية في شأن الأمن في القطب الشمالي مستقبلاً، مع التغير المناخي، وانحسار الطبقة الجليدية، وتطور الملاحة البحرية"، مشدداً على ضرورة "دراسة سبل تحسين الاستثمار في الأمن القطبي الشمالي".
وجاءت تظاهرات السبت بعد ثلاثة أيام من اجتماع في واشنطن بين مسؤولين أمريكيين ودنماركيين ومن غرينلاند، انتهى على خلاف، إذ أقر وزير الخارجية الدنماركي لارس لوك راسموسن بـ"عدم التمكن من تغيير الموقف الأمريكي".
وبحسب آخر استطلاع نشرت نتائجه في يناير/ كانون الثاني 2025، يعارض 85% من سكان غرينلاند الانضمام إلى الولايات المتحدة، في حين يؤيده 6% فقط.