فيما تسود حالة من التوتر في عموم الشرق الأوسط على وقع احتمالات اندلاع صراع عسكري بين واشنطن وطهران مع تبادل البلدين التصعيد والتهديدات وتموضع الولايات المتحدة عسكرياً بصورة مكثفة في المنطقة، يتجادل المراقبون بشأن طبيعة وشكل العمل العسكري المرتقب حال وقوعه وتبعاته على المنطقة، لا سيما مع غموض الأهداف الأميركية النهائية سواء باستهداف البرنامج النووي الإيراني، أم ضرب ترسانة الصواريخ الباليستية، أم السعي لإطاحة النظام، أم مزيج بينهما.
وبينما لم يتخذ الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بعد قراراً نهائياً بشأن توجيه تلك الضربة، مع التلويح ببقاء باب الدبلوماسية مفتوحاً للوصول إلى اتفاق، تبقى مؤشرات العمل العسكري المتزايدة، وخصوصاً بعد تعزيز الولايات المتحدة وجود قطعها البحرية في المنطقة وتهديد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب المستمر لإيران بعمل عسكري "غير مسبوق" إذا لم توافق على إبرام اتفاق نووي أو لم تتوقف عن قتل المتظاهرين.
وتنشر البحرية الأمريكية حالياً ست مدمرات وحاملة طائرات واحدة وثلاث سفن قتال ساحلية في المنطقة. وقالت البحرية الأمريكية الأسبوع الماضي، إن حاملة الطائرات أبراهام لينكولن، المزودة بطائرات هجومية ومقاتلات شبحية من طرازF-35، تتمركز حالياً في بحر العرب وعلى مسافة تتيح لها ضرب أهداف داخل إيران، وترافق الحاملة ثلاث مدمرات مسلحة بصواريخ، كما أرسل "البنتاغون" مزيداً من منظومات الدفاع الجوي "باتريوت وثاد" إلى المنطقة للمساعدة في حماية القوات الأمريكية المتمركزة هناك من أي ضربات انتقامية قد تنفذها إيران باستخدام صواريخ قصيرة أو متوسطة المدى.
أهداف التحرك الأمريكي
في ظل حشد الجيش الأمريكي ما يعده "قوة ضاربة هائلة" في الشرق الأوسط ضمن مدى يمكنها من استهداف إيران، لا تزال الأوساط السياسية الأمريكية تناقش ما إذا كان الهدف الرئيس من هذا التصعيد يتمثل في استهداف البرنامج النووي الإيراني، أم ضرب ترسانة الصواريخ الباليستية، أم السعي لإطاحة النظام، أم مزيج من هذه الخيارات الثلاثة؟
وبحسب تحليل كتبته صحيفة "وول ستريت جورنال" الأمريكية، فقد نقلت عن مسؤولين أمريكيين قولهم، إن الرئيس ترمب طلب من مساعديه خيارات هجوم سريعة وحاسمة لا تنطوي على أخطار الانزلاق إلى حرب طويلة الأمد بالشرق الأوسط، معتبرين أن الخيار المثالي يتمثل في توجيه ضربة قاسية للنظام بحيث لا يترك له خياراً سوى الرضوخ للمطالب الأمريكية المتعلقة بالملف النووي، والكف عن ملاحقة المعارضين.
الصحيفة ذاتها، ذكرت أن مناقشات حول حملة قصف عنيفة قد تؤدي إلى إسقاط الحكومة الإيرانية، جرت بين أركان الإدارة الأمريكية، كذلك بحث الرئيس ترمب وفريقه إمكانية توظيف التهديد باستخدام القوة العسكرية لانتزاع تنازلات دبلوماسية من إيران.
وعلى مدار اليومين الماضيين، تبادلت طهران وواشنطن الرسائل الدبلوماسية، مما فتح الباب أمام بقاء الحل الدبلوماسي وارداً، مع تأكيد إيران استعدادها لمفاوضات "عادلة" لا تسعى إلى الحد من قدراتها الدفاعية.
وأوضحت "وول ستريت جورنال"، أن قرار ترمب وفق التطورات المتلاحقة سيحدد شكل "العمل العسكري المحتمل"، ونقلت عن مسؤول رفيع في إدارته لم تسمه، أن "الرئيس الأمريكي، على رغم تأكيده المتكرر أن إيران لا يمكن أن تمتلك سلاحاً نووياً، يتعمد الإبقاء على قدر من الغموض لحماية أهدافه الاستراتيجية وتفكيره العسكري".
وفي حسابات واشنطن، يواجه الرئيس ترمب في إيران خصماً، لا يزال قادراً على الصمود في وجه هجوم أمريكي واسع النطاق، والرد عبر ضربات صاروخية وبالطائرات المسيرة ضد القواعد الأمريكية والسفن الحربية والحلفاء في المنطقة، بما في ذلك إسرائيل، على رغم أنه أضعف عسكرياً بكثير مما كان عليه قبل أعوام قليلة.
ويقول داني سيترينوفيتش الباحث في معهد دراسات الأمن القومي في تل أبيب، "لا يوجد حل من نوع الصدمة والترويع للمسألة الإيرانية"، في إشارة إلى حملة القصف الأمريكية التي سبقت غزو العراق عام 2003، وأضاف "أي شخص يعد بغير ذلك فهو على الأرجح مخطئ".
وفي تقدير البعض، فإن مسؤولي البيت الأبيض يستخدمون التهديد بتوجيه ضربة عسكرية للضغط على طهران من أجل الموافقة على محادثات بشأن تقييد برنامجها النووي، وكذلك فرض قيود على صواريخها الباليستية ودعمها للوكلاء الإقليميين، إلا أن الإدارة الأمريكية وعلى رأسها ترمب تحذر من "الانجرار إلى مفاوضات غير مثمرة".
ومساء السبت الماضي، قال الرئيس الأمريكي للصحافيين على متن طائرة الرئاسة "آمل أن يتفاوضوا على شيء مقبول… يمكنهم التوصل إلى اتفاق مرض، بلا أسلحة نووية، وما إلى ذلك. ينبغي عليهم فعل ذلك. لا أعرف إن كانوا سيفعلون، لكنهم يتحدثون معنا، ويتحدثون بجدية"، في المقابل تبنى المرشد الأعلى على خامنئي خطاب متشدداً، أمس الأحد، وقال في طهران، إن الولايات المتحدة تريد "التهام بلاده" والسيطرة على نفطها وغازها ومعادنها، محذراً واشنطن من أن "الحرب هذه المرة ستكون حرباً إقليمية".
سيناريوهات المواجهة "المحتملة"
أمام غموض الأهداف الأمريكية، وبقاء باب الدبلوماسية مفتوحاً حتى اللحظة، مع استعداد الطرفين "لمفاوضات جادة" وإن اختلفت الأهداف بينهما، يظل احتمال شن الولايات المتحدة عملاً عسكرياً قائماً، لا سيما مع تكرار الرئيس ترمب تحذيره لإيران بأن "الوقت ينفذ"، وأنها ستواجه هجوماً "أشد وطأة بكثير" من الضربات الأمريكية التي استهدفت منشآتها النووية يونيو/ حزيران الماضي، وذلك في وقت تؤكد طهران أن قواتها "على أهبة الاستعداد"، محذرة من أن أي حرب قادمة "ستتحول إلى صراع إقليمي".
وفي قراءات الصحف ومراكز الفكر الأمريكية، فقد تلقى الرئيس الأميركي خلال الأيام الماضية إحاطات بشأن خيارات "هجوم محتملة" جرى تطويرها بصورة متوازية بين البيت الأبيض ووزارة الدفاع (البنتاغون).
ومن بين هذه الخيارات، وفق ما تقول صحيفة "وول ستريت جورنال" ما يعرف بـ"الخطة الكبرى" التي قد تشهد قيام الولايات المتحدة بضرب منشآت تابعة للنظام الإيراني والحرس الثوري الإسلامي ضمن حملة قصف واسعة النطاق، مشيرة نقلاً عن مسؤولين، إلى أن الخيارات الأكثر محدودية تشمل توجيه ضربات إلى أهداف رمزية للنظام، مع الإبقاء على مجال لتصعيد الهجمات لاحقاً إذا لم توافق إيران، التي تنفي سعيها إلى امتلاك سلاح نووي، على صفقة ترضي ترمب.
وهناك خيار آخر يتمثل في تنفيذ سلسلة من الضربات ضد أهداف عسكرية وأخرى تتعلق بالقيادة، من شأنها أن تحدث حالة من الاضطراب الواسع قد تخلق ظروفاً على الأرض تدفع قوات الأمن الإيرانية أو قوى أخرى إلى إزاحة المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي البالغ من العمر 86 سنة.
ومع حديث أمريكي عن احتمالية تنفيذ عملية لاستهداف رأس النظام الإيراني المرشد علي خامنئي، على غرار العملية التي أمر بها ترمب هذا الشهر الماضي لاعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو باستخدام فرق من القوات الخاصة، إلا أن هذا السيناريو يحمل مصاعب على صعيد الظروف الموضوعية لتنفيذه وحتى على صعيد تبعاته.
فمن الناحية العملية، يعد تنفيذ سيناريو مماثلاً لما حدث في فنزويلا، أكثر صعوبة في إيران التي تتخذ إجراءات أمنية مشددة لحماية قيادتها، فضلاً عن أن عاصمتها تقع في عمق الداخل بعيداً من السواحل، هذا فضلاً عن حجم التباين في شأن تبعات تنفيذ مثل هكذا عملية على مستقبل الدولة الإيرانية، إذ يميل مسؤولون في الإدارة الأمريكية، ومن بينهم وزير الخارجية ماركو روبيو، أنه حتى في حال إزاحة خامنئي، لا يمكن الجزم بأن الحكومة التي ستخلفه ستكون أكثر ودية مع واشنطن، مع ترجيح البعض أن يتولى أحد كبار قادة الحرس الثوري الإيراني زمام السلطة، وهو ما قد يحافظ على النهج المتشدد للنظام أو حتى يعمقه.
والأربعاء الماضي، قال وزير الخارجية ماركو روبيو في حديثه أمام لجنة في مجلس الشيوخ، إن ما سيحدث في حال إبعاد خامنئي وسقوط النظام يظل سؤالاً مفتوحاً، وأضاف "لا أعتقد أن أحداً يستطيع أن يقدم لك إجابة بسيطة عما سيحدث بعد ذلك في إيران".
ووفق كثير من المحللين الأمريكيين، فإنه في حال إصدار الرئيس ترمب قراراً بتنفيذ هجوم ضد إيران، يبقى أن أياً من الأهداف التي حددها لن يكون قابلاً للتحقيق من خلال جولة سريعة من الضربات الجوية أو الهجمات الصاروخية من النوع الذي يبدو أن "البنتاغون" يستعد له.
ونقلت "وول ستريت جورنال" عن ولي نصر المتخصص في الشأن الإيراني والمسؤول الأميركي السابق الذي يعمل حالياً في جامعة جونز هوبكنز، قوله، "حتى لو هزم النظام (الإيراني) بسرعة كبيرة، فإن ما يحدث في اليوم التالي هو الأهم"، كذلك نقلت عن جاستن لوغان، مدير دراسات الدفاع والسياسة الخارجية في "معهد كاتو" بواشنطن قوله إن "الرئيس ترمب يفضل استخدام القوة العسكرية عندما تكون سريعة، وقليلة الكلفة، وحاسمة"، وأضاف "المشكلة أنك لا تستطيع أن تفعل الأمور بسرعة وبكلفة منخفضة وتحصل في الوقت نفسه على نتائج حاسمة".
طبيعة الأهداف وسيناريوهات الحركة، تحدثت عنها كذلك صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية، قائلة في تحليل لها بشأن "الخيارات العسكرية التي يدرسها ترمب لمواجهة إيران"، إن الرئيس الأميركي تلقى في الأيام الأخيرة قائمة موسعة من الخيارات العسكرية المحتملة، التي تهدف إلى إلحاق مزيد من الضرر بالمنشآت النووية والصاروخية للبلاد أو إلى إضعاف المرشد الأعلى الإيراني، وأن هذه الخيارات تتجاوز المقترحات التي كان ترمب يدرسها قبل أسابيع قليلة، حين كان يسعى إلى الوفاء بتعهده بوقف قتل المتظاهرين على يد قوات الأمن الإيرانية.
ونقلت الصحيفة عن مسؤولين لم تسمهم، قولهم إنه في وقت لم يصرح فيه ترمب بعد بعمل عسكري ضد إيران، فإنه لم يستقر بعد على أحد الخيارات التي قدمتها وزارة الدفاع (البنتاغون)، مشيرة إلى أن الرئيس الأمريكي فكر خلال الأيام الماضية في ما إذا كان "تغيير النظام خياراً قابلاً للتطبيق".
وتوضح "نيويورك تايمز" أن إدارة ترمب درست خلال الاحتجاجات التي اجتاحت إيران قبل أسابيع، توجيه ضربات للبرنامج النووي الإيراني، وكذلك استهداف مواقع رمزية، مثل مقر المؤسسات الأمنية المسؤولة عن جزء كبير من حملة القمع، لكنه تراجع فجأة عن الخيار العسكري آنذاك، بعدما أعلنت السلطات الإيرانية إلغاء مئات الإعدامات المقررة، وبعد أن طلبت دول بالمنطقة من الرئيس تأجيل أي ضربات.
ويقول مسؤولون أمريكيون، إن ترمب يتبع مع إيران نهجاً مشابهاً لما فعله مع فنزويلا، حيث حشدت الولايات المتحدة قواتها قبالة سواحلها لأشهر في إطار حملة ضغط لإطاحة الرئيس مادورو، وقد فشلت الجهود لإقناع مادورو بمغادرة فنزويلا، مما أدى إلى هجوم القوات الأمريكية على البلاد واعتقاله، وهو وزوجته.
وبعكس فنزويلا يتشكك البعض في مدى قبول طهران الشروط التي وضعتها الولايات المتحدة، والتي تشمل إنهاء تخصيب اليورانيوم والتخلي عن جميع مخزوناتها النووية الحالية، وفرض قيود على مدى وعدد الصواريخ الباليستية في الترسانة الإيرانية، وإنهاء كل صور الدعم للجماعات الوكيلة في الشرق الأوسط، بما فيها "حماس" و"حزب الله" والحوثيون في اليمن.
يأتي ذلك في وقت، تشير تقارير إسرائيلية وأميركية، إلى أن تل أبيب تدفع باتجاه خيار آخر يتمثل في انضمام الولايات المتحدة إليها في توجيه ضربات جديدة إلى برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني، الذي يقول مسؤولو الاستخبارات إن طهران أعادت بناءه إلى حد كبير بعدما دمرته إسرائيل خلال الحرب التي استمرت 12 يوماً في يونيو/ حزيران الماضي.
مدى قانونية العملية المرتقبة
وعلى وقع التصعيد الأمريكي ضد طهران، تثار تساؤلات جدية في الأوساط الأمريكية حول الأسس القانونية التي قد تستند لها واشنطن في توجيه ضربات لإيران في غياب أي تفويض من الكونغرس، لا سيما وبعكس السابق حيث اعتاد الرؤساء الأمريكيون إصدار أوامر بتنفيذ ضربات محدودة من دون موافقة الكونغرس، فإن الوضع هذه المرة قد يكون مختلفاً تماماً، إذ يرجح كثر أن حملة أوسع ضد إيران، تهدف لإسقاط الحكومة أو إضعافها بدلاً من مجرد إرجاع البرنامج النووي إلى الوراء، قد تثير أسئلة أكثر حدة في شأن ما إذا كان الرئيس يقدم على عمل يعد إعلان حرب فعلياً.
وللخروج من هذا المأزق، يرجح أن تستند الإدارة الأمريكية، وفق ما تقول صحيفة "نيويورك تايمز" إلى "دعم طهران الواسع للإرهاب" في أي تبرير قانوني، كما فعلت عندما أمر ترمب في يناير/ كانون الثاني 2020، باستهداف قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني في العراق، مشيرة إلى أنه حينها بررت وزارة العدل الضربة باعتبارها قانونية لـ"عمله بنشاط على وضع خطط لهجمات إضافية ضد أفراد الجيش الأمريكي ودبلوماسييه".
وعلى رغم أن واشنطن لم تصنف المرشد الإيراني الأعلى كـ"إرهابي"، فإنها تصنف إيران كدولة راعية للإرهاب، ويعد خامنئي القائد الأعلى للحرس الثوري الإيراني، الذي صنفته كل من الولايات المتحدة وأوروبا "منظمة إرهابية".
وفي شهادة وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، الأربعاء الماضي، أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، قدم مبرراً آخر للحشد العسكري، قائلاً إنه يهدف إلى "منع هجوم إيراني بصورة استباقية" على عشرات الآلاف من الجنود الأمريكيين المنتشرين منذ أعوام في قواعد بالمنطقة، مشيراً إلى أن إدارته "تأمل ألا نصل إلى ذلك لكن ما ترونه الآن هو القدرة على تموضع الأصول العسكرية في المنطقة للدفاع ضد ما قد يكون تهديداً إيرانياً لأفرادنا".
وبرر روبيو تعزيز الوجود العسكري الأمريكي حول إيران بتحذيره من احتجاجات قد تندلع مجدداً، ووافق على تقييمات الاستخبارات الأمريكية التي ترى أن النظام الإسلامي، المثقل بالانهيار الاقتصادي والاستياء الشعبي، بات "أضعف مما كان عليه في أي وقت مضى".
(اندبندنت عربية)