4 فبراير 2026
3 فبراير 2026
يمن فريدم-نيرمين علي


مر علينا في حقبتنا عديد من أدوات التعديل على المحتوى المرئي، لكن ظل في غالب الحالات هامش اكتشاف زيف متاحاً وممكناً، في الأقل من قبل المتخصصين، إلا أن الذكاء الاصطناعي نجح اليوم في تقديم أدوات تصنع زيفاً يصعب كشفه، أو في الأقل يحصل المزيف على مبتغاه قبل كشفه.

ربما تكون الصدقية في زمن الذكاء الاصطناعي واحدة من أهم القضايا المطروحة، فأدوات الذكاء الاصطناعي قادرة على توليد صور وفيديوهات وأصوات شديده الأقناع، مما يجعل الخيط بين الحقيقي والاصطناعي غير مرئي تقريباً.

رأته عيناي وسمعته أذناي!

بات الفضاء الرقمي مزدحماً بمخرجات الذكاء الاصطناعي، على نحو يفاقم الضجيج والفوضى، ويقلص الوقت اللازم للفهم والتحليل والتفسير أو حتى التحقق، في وقت نحتاج فيه إلى مزيد من الهدوء والتعمق في التفكير.

ويلاحظ كيف تقل قدرة الناس على الشك مع التطور التكنولوجي، بخاصة "جيل إكس" (المواليد من منتصف الستينيات إلى بداية الثمانينيات)، إذ يصدقون تماماً كل ما يرونه، بل حتى إنهم يشككون في كلام من يخبرهم أنه مجرد ذكاء اصطناعي لا أكثر، إذ لحضور الصوت والصورة معاً سلطة وسلطان، فكيف يكذب ما رأته عيناه وما سمعته أذناه؟!

وفي حال القضايا الساخنة ذات الأبعاد الاجتماعية أو السياسية أو الدينية، يصبح التصديق أقرب بكثير إلى الأذهان ويصير الشك احتمالاً أبعد، إذ في حال من الانحياز العاطفي، يبحث العقل عما يثبت وجهه نظره، بغض النظر عن الحقيقة على أرض الواقع، فيغلب الاندفاع العاطفي على المحاكمة العقلية، فقابلية التصديق تحت الضغط العاطفي أعلى بكثير، بغض النظر عن جوده التزييف ذاته، وفي هذه الحال لا يحتاج الأمر إلى كثير من البراعة في الزيف فالعقل شبه مغيب.

وهنا قد يستغل بعضهم هذه النقطة، ليبدأ في إنتاج محتوى مزيف يثبت صحة وجهه نظر أصحاب القضية، طالباً المزيد من التفاعل على منشوراته، بصرف النظر عن الحقيقة وحتى لو أدى فعلهم هذا إلى صدامات فكرية أو عقائدية أو دينية، وهنا ربما نحتاج إلى محو أمية رقمية لتمكين الأفراد من التفكير النقدي والشك بالادعاءات المطروحة.

المحتوى مفبرك حتى يثبت العكس

في حين يرى بعض من "جيل واي" الذي نشأ مع بدايات الإنترنت و"جيل زد"، المواطنون الرقميون الذين نشأوا في حضن الإنترنت وثورة الذكاء الاصطناعي، ويمثلون مع مواطنيهم "جيل واي" قوى عاملة رقمية، يشككون أولاً ثم يبدأون في البحث عن الحقيقة، فقاعدتهم تقول "المحتوى مفبرك حتى يثبت العكس"، وربما هذا ما يحدث قليلاً من التوازن على ساحة التواصل الافتراضي.

امتياز سمعي - بصري

ما يجعل الأمر أكثر خطورة هو الحضور القوي للتضليل العميق القادر على زعزعة الثقة بالأدلة البصرية والسمعية، إذ يعتمد التضليل العميق على نماذج قادرة على تزوير الصوت وتركيب الفيديو ودمج السياق الزماني والمكاني ولغة الجسد بطريقة تجعل المنتج الرقمي متماسكاً، بالتالي وصلنا إلى مكان فقد فيه الدليل السمعي - البصري، الذي كان يعد أقوى أشكال الإثبات ودعم الادعاءات، امتيازه المعرفي، ولم يعد الفيديو هو البرهان أو الإثبات النهائي.

وبالنظر إلى هذا الموضوع من زوايا أخرى، نجد أن التضليل العميق يستغل من جانب البعد النفسي تحيزات معرفية معروفه، مثل تحيز التأكيد الذي نصدق فيه ما ينسجم مع قناعاتنا المسبقة، ويستغل فيه عامل الصدمة والانفعال ليقلل المحتوى الصادم من التفكير النقدي ويسرع الإقبال على المشاركة من دون تفكير.

بين الشك وتبلده

في جو من التدفق المعلوماتي الهائل وتطور التزييف التقني يرافقهما استغلال حال الاستقطاب الحاد، يبدو أننا ننتقل من عصر التضليل إلى عصر ما بعد الحقيقة القابلة للتحقق، وهو توصيف فكري لمرحلة لم يعد فيها انتشار الأكاذيب المشكلة الأساسية، بل غياب القدرة العملية على التمييز بصورة حاسمة بين الحقيقة والزيف، وحتى انعدام الرغبة بالتحقق، إذ لم يعد السؤال "هل ما نشاهده ونسمعه صحيح؟"، بل "هل يمكن أصلاً التأكد من صحته؟"، في حال الرغبة بذلك.

وهذا من الممكن أن يؤدي بالبعض بصورة أو بأخرى إلى نتيجة عكسية يتوجها تبلد الشك والتوقف عن التحقق، ما دام إمكان التحقق والوصول إلى الحقيقة وإثباتها أصبح شديد الصعوبة، حتى إن أدوات الإثبات ذاتها أصبحت موضع شك، أو يحدث العكس تماماً، أن ينتقل البعض الآخر إلى حال من التشكك الشامل، بحيث يرفض كل شيء باعتباره محتمل التزييف، والحقيقة أن كلا الأمرين مدمر للمعرفة العامة، إذ يعد الشك من أهم وسائل المعرفة والوصول إلى الحقيقة، وكلما ابتعدنا عن شك ابتعدنا عن المعرفة.

(اندبندنت عربية)
 

الفيس بوك
تويتر

جميع الحقوق محفوظة YemenFreedom ---- تصميم وبرمجة ALRAJIHI