15 فبراير 2026
14 فبراير 2026
يمن فريدم-خاص-إلهام الفقيه
(محمد حويس/فرانس برس)


يحل شهر رمضان على اليمنيين، وتتكرر معاناة المواطنين شمالاً وجنوباً، ويضع الفقراء وجهاً لوجه أمام التحديات المعيشية الثقيلة منذ أكثر من عشر سنوات.

الغلاء يسبق الهلال

مع اقتراب رمضان، ترتفع وتيرة القلق في البيوت اليمنية. فأسعار المواد الغذائية الأساسية تواصل صعودها، بينما تتراجع القدرة الشرائية لغالبية السكان إلى مستويات غير مسبوقة.

أطباق رمضانية اعتاد اليمنيون انتظار الشهر الكريم لإعدادها، باتت اليوم ترفاً بعيد المنال، في ظل دخلٍ لا يواكب أبسط متطلبات المعيشة.

ورغم التحسّن النسبي الذي شهدته أسعار صرف العملة في المناطق الخاضعة للحكومة خلال الفترة الأخيرة، إلا أن هذا التحسّن لم ينعكس على حياة الناس اليومية. فما يزال الغلاء يفرض نفسه بقسوة على الأسواق، وكأن الأسعار لا تعترف بمنطق الأرقام ولا تستجيب لمعادلات الاقتصاد.

استقرار الصرف ومعاناة الأسر

رغم استقرار أسعار الصرف في المناطق الحكومية، لم تتحسن أسعار المواد الاستهلاكية والغذائية بشكل متوازي مع تحسن العملة المحلية، وينعكس ذلك سلباً على المواطنين، خصوصاً المعتمدين على المغتربين.

المواطن عبدالكريم سيف يحيى (55 عامًا) من تعز يقول: إن الحكومة عملت على تحديد سعر الصرف، لكنها لم تلتزم بضبط أسعار السلع بما يتوازي مع سعر الصرف.

وأضاف أن ولده كان يرسل 1000 ريال سعودي مصاريف شهرية يتم الاعتماد عليها لمدة شهر وأكثر من شهر، أما الآن ومع تحسن أسعار الصرف يقوم بإرسال 1500 ريال سعودي، لكنها لا تغطي تكاليف الأسرة خلال شهر، ما يضطره إلى الدين.

وأشار إلى أنه مع اقتراب شهر رمضان يزداد جشع التجار، ويتم رفع أسعار السلع الأكثر استهلاكاً، خصوصاً بعد إقرار سعر صرف 410، ما يشكل عبئاً كبيراً أمام أسر المغتربين إذا لم يتم معالجة أسعار المواد الغذائية.

من جهتها تقول المواطنة (انتخاب عبدالباقي) من سكان عدن - تعز إن رمضان هذا العام من حيث الأسعار أفضل من العام الماضي، لكن الأشغال غير متوفرة، ما أدى إلى أزمة حقيقية أكثر تعقيداً، إذ إن رب الأسرة غير قادر على توفير الاحتياجات اللازمة في ظل انعدام فرص العمل.

كما أكدت أم رزان أن الأسعار في عدن مستقرة نسبياً، لكن العمل شبه معدوم، وإن وجد فالأجور متدنية لا تلبي احتياجات أطفالها، وأنها حتى الآن لم تتمكن من توفير أي شيء لاستقبال شهر رمضان في ظل الأوضاع الراهنة.

إجراءات حكومية وواقع اقتصادي

تصدرت حكومة صنعاء، غير المعترف بها، هذا العام تسويق المنتجات المحلية ومنع استيراد بعض المواد الغذائية، خصوصاً الأكثر استهلاكاً في رمضان مثل البقوليات والشربة والذرة الشامية، وفقاً لتوجيهات السلطة الحاكمة التابعة للحوثيين.

وأوضح رئيس الجمعية التعاونية الزراعية في محافظة إب، محمد الجماعي، أن السوق المحلي هذا العام أكثر وفرة في المنتجات الزراعية المحلية، لكن أسعارها أكثر ارتفاعاً من المنتجات المستوردة، ما يتسبب في عدم قدرة المواطنين على الشراء، لذلك يتم اللجوء إلى المواد المستوردة الأكثر استهلاكاً والأقل قيمة شرائية، غير أن ذلك لم يحل الأزمة المعيشية في ظل استمرار الحرب.

وأوضح الدكتور العزاني، أستاذ الاقتصاد بجامعة صنعاء، أن الوضع الاقتصادي يتدهور يوماً بعد آخر، وأن شرائح واسعة من المجتمع في مناطق سيطرة جماعة الحوثيين أصبحت مضطرة لطلب المساعدة، وأن دائرة الجوع تتوسع، وتتكرر مشاهد اصطفاف العشرات من المحتاجين أمام المحلات التجارية بشكل أكبر خلال شهر رمضان، وتزداد الأزمة تفاقماً مع توقف المساعدات الإنسانية.

ومع ذلك، ثمة إصرار يمني على إحياء رمضان ولو بالحد الأدنى. يظهر هذا الإصرار في عودة المغتربين، وفي محاولات الميسورين – رغم قلتهم – تقديم المساعدات، وفي حرص الأسر على كسر الركود في الأسواق ولو مؤقتاً. فشهر رمضان، على قسوته، لا يزال يمنح الفقراء فسحة قصيرة من الأمل، مدعومة غالباً بالمساعدات الخيرية والتكافل العائلي.

وفي ذات السياق، في المناطق الحكومية يتم تدشين المهرجانات والعروض الرمضانية في مراكز التسوق، لكن يتم تسويق المواد القريبة للانتهاء أو شبه التالفة، في ظل غياب الدور الفعّال للرقابة الحكومية على المنتجات.

الناشط محمد سلطان، عضو الرقابة المجتمعية في محافظة تعز، يقول: مع كل رمضان يتم تسويق المنتجات شبه التالفة والقريبة للانتهاء والرديئة في الأسواق والبسطات في الشوارع دون أي رقابة فعلية من الجهات المعنية. وأكد أن معظم سكان المدينة يتجهون نحو الأسواق وبسطات الشوارع بحثاً عن أقل الأسعار للمواد الغذائية.

وأشار إلى أن التجار يرفعون أسعار المواد الغذائية بنسبة 3% رغم تحسن سعر الريال أمام العملات الأجنبية، ويحدث ذلك في ظل غياب الدور الفعلي لمكتب الصناعة والتجارة، وتجاهل ضبط أسعار المواد الغذائية وتشكيل رقابة فعلية على كبار المستوردين وتجار الجملة.

وامتنع مدير مكتب الصناعة والتجارة في تعز عن الرد على التساؤلات.

روح وروحانية رمضان

تراجعت نكهة رمضان من تجمعات الأسر والأهالي في لياليه، كما افتقدت اليمن أهم المظاهر الرمضانية نتيجة التحولات السياسية والدينية.

يصف الباحث في علم الاجتماع السياسي الدكتور ياسر الصلوي شهر رمضان في اليمن بأنه مناسبة دينية واجتماعية في آن واحد، حيث يتداخل الطقس التعبدي مع البعد الاجتماعي. فالصيام لا يقتصر على المكلّفين فقط، بل يمتد إلى الأطفال تحت ضغط العرف الاجتماعي وقيم الجماعة.

غير أن الحرب غيّرت كثيراً من هذه الطقوس؛ فقد تراجع "التوسيع" الرمضاني، ومنعت صلاة التراويح في بعض المناطق، وتحول السمر الرمضاني والتواشيح الدينية إلى سمر سياسي وخطاب سياسي في مختلف المناطق، بالإضافة إلى تغيّر ترتيب الأولويات.

وباتت أسر كثيرة عاجزة عن توفير أصناف ارتبطت تقليدياً بالشهر الكريم مثل (السنبوسة والكنافة)، فضلاً عن اللحوم والأسماك والدواجن، بل إن توفير الأساسيات كالقمح والزيت والغاز أصبح أقصى ما تطمح إليه عائلات كثيرة.

أمل مفقود

بين تحسّن مؤشرات لا يلمسها الناس، وأسواق تمتلئ بالبضائع الباهظة أو الرديئة، يقف اليمنيون في رمضان على حافة صعبة. فالشهر الذي كان رمزاً للبهجة والتكافل، بات مرآة تعكس حجم الخسارة التي خلّفتها الحرب؛ خسارة في الدخل، وفي الطقوس، وفي الإحساس بالأمان.

ويبقى السؤال مفتوحاً: هل يستطيع اليمنيون حماية روح رمضان من الانكسار، أم أن الفقر سيواصل زحفه حتى على ما تبقّى من المعنى؟
 

الفيس بوك
تويتر

جميع الحقوق محفوظة YemenFreedom ---- تصميم وبرمجة ALRAJIHI