22 مارس 2026
22 مارس 2026
يمن فريدم-أمير حسين مير إسماعيلي


أعلن مقتل وزير الاستخبارات (اطلاعات) الإيراني إسماعيل خطيب فجر الأربعاء الـ17 من مارس/ آذار الجاري في أحدث حلقة من سلسلة الاغتيالات الممنهجة التي استهدفت كبار المسؤولين الإيرانيين في طهران، وهي موجة تصاعدت منذ السبت الـ28 من فبراير/ شباط الماضي مع انطلاق العمليات العسكرية الإسرائيلية والأميركية ضد إيران، لتتحول اليوم إلى أعمق أزمة بنيوية تضرب قمة هذا النظام.

وخلال 24 يوماً فقط، استهدفت شخصيات من أعلى مستويات السلطة، بدءاً من المرشد الإيراني السابق علي خامنئي، مروراً بقادة بارزين في الحرس الثوري ووزير الدفاع ورئيس هيئة الأركان العامة وأمين المجلس الأعلى للأمن القومي وأمين مجلس الدفاع وقائد قوات التعبئة (الباسيج)، وصولاً إلى وزير الاستخبارات، فضلاً عن العشرات من نواب هؤلاء المسؤولين.

ويُعد هذا المستوى من الاستهداف المتزامن في قمة هرم السلطة غير مسبوق في تاريخ النظام الإيراني، ويعكس تركيز الهجمات الإسرائيلية والأميركية ليس فقط على تدمير البنية التحتية العسكرية وحسب، بل على تفكيك مركز اتخاذ القرار وسلسلة القيادة في النظام.

انهيار متكرر في بنية القيادة

وتتواصل هذه العمليات في وقت كان النظام الإيراني فقد بالفعل خلال الحرب التي استمرت 12 يوماً، جزءاً كبيراً من قادته البارزين، من بينهم محمد باقري وحسين سلامي وأمير علي حاجي زاده، إضافة إلى عدد من قادة الاستخبارات والصواريخ.

واللافت أن عدداً من المسؤولين الذين قُتلوا أخيراً كانوا في الواقع خلفاء لهؤلاء القادة، مما يعني أن هيكل القيادة في النظام الإيراني تعرض خلال فترة وجيزة لانهيار كامل على أعلى مستوياته للمرة الثانية.

من بقي في دائرة الاستهداف؟

في ظل هذه التطورات، لم يعُد السؤال مقتصراً على من قتل؟ بل بات يتمحور حول من بقي، ومن هي الشخصيات التي أصبحت أكثر حيوية لبقاء بنية السلطة، ومن هي الأسماء التي لم تشطب بعد من قائمة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو التي كشف عنها أمام السفير الأميركي.

مركز القيادة في ظل الفراغ

لا يبدو من الصعب توقع وجود مجتبى خامنئي، المرشد الجديد للنظام على رأس هذه القائمة، إذ جرى تقديمه خليفة لوالده بعد مقتله، غير أن حاله الصحية لا يزال يكتنفها الغموض.

وتشير تقارير رسمية، بل حتى اعترافات صادرة عن الإعلام الرسمي الإيراني، إلى إصابته بجروح بالغة خلال الضربات الأولى، فيما تحدثت مصادر غير رسمية عن تدهور حاله أو دخوله في غيبوبة، وتحول هذا الغموض إلى عامل إضافي لعدم الاستقرار في قمة النظام، إذ إن غياب قائد فاعل يعرقل عملية اتخاذ القرار الاستراتيجي.

في هذا السياق، يبدو أن محمد باقر قاليباف برز كأحد أكثر الشخصيات نفوذاً، وربما الأكثر نفوذاً بين من بقي، مما يجعله هدفاً محتملاً رئيساً لـ"الموساد" والجيش الإسرائيلي.

فالرئيس الحالي للبرلمان الإيراني الذي يمتلك تاريخاً طويلاً في الحرس الثوري، بات يؤدي دوراً يتجاوز موقعه الرسمي، بخاصة بعد مقتل علي لاريجاني وعدد من كبار القادة العسكريين، وتحول إلى أحد الشخصيات القليلة التي تجمع بين الخبرة الأمنية والعسكرية والموقع السياسي الرفيع، فضلاً عن شبكة علاقات واسعة داخل بنية السلطة وصلات وثيقة بمجتبى خامنئي. وفي ظل فقدان البرلمان لوظيفته التقليدية، بات دور قاليباف أكثر التصاقاً بالمجالين العسكري والأمني.

قيادات الحرس وبرنامج الصواريخ

في الجانب العسكري، القائد الجديد للحرس الثوري أحمد وحيدي موقعاً محورياً، إذ تولى هذا المنصب عقب مقتل محمد باكبور في الأيام الأولى للحرب، ويقود المؤسسة في وقت فقدت عدداً كبيراً من قادتها البارزين، ولا تقتصر مهمته على إدارة العمليات، بل تشمل إعادة بناء هيكل متضرر، والاستمرار في تنفيذ الهجمات الصاروخية والمسيّرة ضد إسرائيل ودول عربية في المنطقة، مما يجعل استهدافه، إن تحقق، إنجازاً مهماً لإسرائيل.

ومن بين القادة البارزين أيضاً مجيد (سيد حسين) موسوي الذي تولى قيادة القوة الجوفضائية للحرس الثوري بعد مقتل أمير علي حاجي زاده خلال حرب الـ12 يوماً، وهي القوة التي تُعد العمود الفقري للبرنامجين الصاروخي والمسيّر الإيرانيين.

وشغل موسوي سابقاً منصب نائب قائد هذه القوة لأعوام، وينظر إليه على أنه من الشخصيات الرئيسة في تطوير القدرات الصاروخية الإيرانية، وتنبع أهمية موقعه من أن هذه القوة تمثل أداة الردع الأساسية لإيران في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل، وسبق أن فرضت واشنطن عليه عقوبات بسبب دوره في برامج الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة.

ومع استهداف معظم القادة السابقين في هذا المجال، أصبح موسوي من بين الشخصيات القليلة التي يعتمد عليها استمرار هذا المكون الحيوي من القوة العسكرية الإيرانية.

ويُعد قائد "مقر خاتم الأنبياء" المركزي علي عبد اللهي من أبرز الشخصيات الباقية، ويضطلع هذا المقر الذي يمثل غرفة العمليات الرئيسة للحرب بمهمة تنسيق العمليات بين الجيش والحرس الثوري. ومع مقتل قادته السابقين خلال الحرب الأخيرة، بات موقع عبد اللهي يشكل إحدى العقد العملياتية الأكثر حساسية.

أدوات الضبط الداخلي

وعلى صعيد الأمن الداخلي، لا يزال رئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إيجئي أحد الأعمدة الأساسية في منظومة السيطرة السياسية وقمع الاحتجاجات داخل البلاد. ومن الممكن أن يشكل مقتله، خصوصاً بعد بدء تنفيذ أحكام الإعدام بحق معتقلي احتجاجات يناير/ كانون الثاني الماضي، حدثاً ذا صدى واسع في الرأي العام الإيراني، على غرار تداعيات مقتل علي خامنئي أو علي لاريجاني، وقد يسهم في تعزيز نظرة إيجابية لدى بعض شرائح المجتمع تجاه العمليات الإسرائيلية ونتنياهو. ووسط استمرار قابلية اندلاع الاحتجاجات، يؤدي الجهاز القضائي تحت قيادة إيجئي دوراً حاسماً في فرض الردع، من خلال إصدار أحكام مشددة وتنفيذ الإعدامات.

تشديد القبضة الأمنية الداخلية

وإلى جانبه، يقف القائد العام لقوى الأمن الداخلي في النظام أحمد رضا رادان في الخط الأمامي للسيطرة على الشارع.

ومع التراجع الكبير في قدرات قوات التعبئة (الباسيج) نتيجة الضربات الصاروخية والمسيّرة الإسرائيلية التي استهدفت مقارها، إضافة إلى الفراغ الذي خلفه مقتل إسماعيل خطيب في وزارة الاستخبارات، بات دور قوى الأمن الداخلي (القوات الشرطية) أكثر بروزاً في قمع الاضطرابات وإدارة الأزمات الداخلية.

كما أن التصريحات الحادة لرادان ضد الولايات المتحدة وإسرائيل وتهديداته الأخيرة خلال التجمعات الرسمية، تجعل من استهدافه، من منظور إعلامي، ضربة مؤثرة للرواية الدعائية والخطاب الرسمي للنظام الإيراني.

المسؤولون الحكوميون وآخرون

على مستوى صناعة القرار الاستراتيجي، تداولت بعض وسائل الإعلام الداخلية الأربعاء الماضي تقارير غير مؤكدة عن تعيين حسين دهقان أميناً للمجلس الأعلى للأمن القومي.

وسيصبح دهقان، وهو وزير دفاع سابق ومن الشخصيات المخضرمة في الحرس الثوري، إذا ما ثُبت تعيينه، أحد أبرز الفاعلين في رسم السياسات الأمنية.

ويُعد مستشار القائد العام للحرس الثوري العميد علي فدوي، من الشخصيات المؤثرة في الحفاظ على تماسك هذه المؤسسة، بخاصة مع الأضرار الكبيرة التي لحقت ببنية قيادتها، وسعى في الأيام الأخيرة من خلال ظهوره في وسائل الإعلام الرسمية، إلى رفع معنويات القوات العسكرية المتراجعة، وإدارة الخطاب الرسمي حول التطورات الميدانية والخسائر المتتالية.

إضافة إلى ذلك، لا يزال مسعود بزشكيان يتولى رئاسة الجمهورية، على رغم أن ثقل القرار في زمن الحرب انتقل بصورة واضحة إلى المؤسسات العسكرية والأمنية.

وفي هذا السياق، تحدثت بعض وسائل الإعلام الإسرائيلية عن حال استياء لديه من تجاهل قادة الحرس الثوري لآراء الحكومة، بل طرحت احتمالات حول استقالته.

ومع ذلك، يظل الرئيس من الناحية القانونية أحد أركان السلطة الرسمية، وأي استهداف له قد يترتب عليه، إضافة إلى تداعيات داخلية وتعطيل عمل الوزارات، انعكاسات دبلوماسية ودولية واسعة.

أما محسن رضائي الذي عُيّن بقرار من مجتبى خامنئي مستشاراً عسكرياً للقيادة العامة للقوات المسلحة، فيواصل أداء دور استراتيجي بصفته أحد الوجوه المخضرمة في الحرس الثوري.

فراغات قيادية وهواجس الخلافة

لكن الأزمة لا تقتصر على الشخصيات الباقية، بل تمتد إلى الفراغات التي خلفتها عمليات الاستهداف، إذ لم يعلن حتى الآن تعيين بدلاء رسميين لعدد من المناصب الحساسة، من بينها رئاسة هيئة الأركان العامة ووزارة الاستخبارات ووزارة الدفاع وأمانة مجلس الدفاع ورئاسة جهاز استخبارات قوى الأمن الداخلي.

وفي بعض الحالات، كما حدث في وزارة الدفاع، استُهدف نائب الوزير مباشرة بعد تعيينه، مما يشير إلى أن عملية تعيين البدلاء نفسها أصبحت تحت ضغط مباشر.

ويعكس هذا الوضع إما تعمداً في إخفاء أسماء الخلفاء الجدد خشية تعرضهم للاستهداف من قبل الجيش الإسرائيلي، أو وجود خلل في آليات اتخاذ القرار على المستويات العليا.

دائرة تضيق ومستقبل مفتوح على التصعيد

في ظل هذه المعطيات، أصبح النظام الإيراني يعتمد على دائرة ضيقة من الشخصيات الباقية، تبدو جميعها في مرمى مباشر للأجهزة العسكرية والأمنية الإسرائيلية، مع احتمال إعلان مقتل أي منها في أية لحظة. وكلما ضاقت هذه الدائرة، تراجعت قدرة النظام على الحفاظ على تماسكه وإدارة أزماته.

وفي نظام يعتمد بدرجة كبيرة على الأفراد، فإن الاستهداف المتكرر لهذه الشخصيات قد يؤدي ليس فقط إلى تعطيل سلسلة القيادة، بل إلى إرباك كامل في منظومة اتخاذ القرار، وربما إلى انهيارها.

وبذلك، يبدو أن مستقبل هذا المسار بات مرتبطاً أكثر من أي وقت مضى باستمرار أو توقف موجة الاستهدافات الحالية.

"اندبندنت فارسية"

 

الفيس بوك
تويتر

جميع الحقوق محفوظة YemenFreedom ---- تصميم وبرمجة ALRAJIHI