28 مارس 2026
28 مارس 2026
يمن فريدم-توفيق الشنواح


بعد شهر من التمنع المتريث، تدخلت ميليشيات الحوثي في الحرب الدائرة ضد النظام الإيراني إسناداً لحليفتها في موقف يثير مخاوف اليمنيين من نتائج ليست لهم حيلة بتفاديها، خصوصاً في حرب لا ناقة مصلحة فيها، ولا جمل موقف يحتم إقحام البلد المنهك بحربه الداخلية في أتون صراعات جديدة لا تُعلم نتائجها.

وبعد ساعات من تهديدات أطلقتها الجماعة متوعدة بالتدخل العسكري المباشر، "حال انضمام أية تحالفات أخرى مع الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران أو استخدام البحر الأحمر" لتنفيذ عمليات ضد الأخيرة، أطلق الحوثيون أول صاروخ على إسرائيل منذ بداية الحرب في إعلان رسمي بالضلوع المباشر كطرف جديد في الحرب الآخذة بالتصاعد إقليمياً، مما يزيد من تعقيد المشهد الأمني في الشرق الأوسط.

وأعلن الجيش الإسرائيلي اليوم السبت رصده إطلاق صاروخ من الأراضي اليمنية، مشيراً إلى أن أنظمة الدفاع الجوي اعترضته بنجاح، فيما أعلن المتحدث العسكري باسم الميليشيات اليمنية يحيى سريع مساء أمس الجمعة أن "أيديهم على الزناد للتدخل العسكري المباشر" دعماً لإيران و"محور المقاومة" في حالات عدة.

الخيارات.. بين نارين

وكما هو ديدن النظام الإيراني، ظهر موقف الحوثي المتردد ثم الملتبس في البداية، ليكشف عما اعتبره مراقبون انقساماً داخلياً بين طرفين يدفع أحدهما نحو المشاركة لإسناد رعاتهم في طهران، وآخر يخشى عواقبها القاتلة خصوصاً أنهم خبروا سابقاً الردود العنيفة كما جرى خلال إحدى العمليات عندما استهدفت المقاتلات الإسرائيلية في سبتمبر/ أيلول عام 2025 منزل رئيس حكومة الحوثيين أحمد غالب الرهوي في صنعاء، مما أدى إلى مقتله وعدد من وزرائه.

ويشرح موقف الحوثيين أيضاً جزءاً من مسارات الصراع الذي تسعى طهران إلى إدارته عن طريق "استدامة النيران" المساندة لها، حتى تفعل المحادثات المعلنة والخلفية فعلها على أمل أن توصل إلى صيغ تسوية وإن موقتة مع الولايات المتحدة وإسرائيل تسمح لاحقاً كما جرت العادة باستعادة الأنفاس وترتيب الأوراق لتفادي السقوط الأخير.

يقول سفير اليمن لدى منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونيسكو) محمد جميح، إن الحوثي واقع بين شعورين ضاغطين، شعور بالرغبة في الحفاظ على صورته مجاهداً وعضواً بارزاً في "محور المقاومة" وآخر مضاد يتملكه الخوف والقلق من عواقب التدخل ولذلك قال المتحدث باسمهم أطلقنا مجموعة من الصواريخ بينما هو صاروخ واحد، والهدف الاستثمار إعلامياً وفي الوقت ذاته لا يريد الانزلاق كطرف في الاستهداف.

وخلال حديثه إلى "اندبندنت عربية" يستبعد جميح أن يدخل الحوثيون في هذه الحرب بصورة كاملة، ومع ذلك يصعب حتى الآن التنبؤ بمجريات الأحداث المتسارعة والآخذة في التصعيد.

ورقة في نفق التفاوض

وكان لافتاً اشتراط الجماعة اليمنية مساء أمس مشاركتها بدخول طرف ثالث ضد طهران قبل أن تشهد الساعات التالية شن أول عمل عسكري نحو إسرائيل.

هذا الموقف الملتبس بين التريث الواضح ثم الضلوع في الحرب، اعتبره الباحث السياسي حسام ردمان جزءاً من خداع تكتيكي مارسته الجماعة اليمنية.

وبحسب المواقف الحوثية التي تأتي بمنأى عن مصالح اليمن وعدم الاكتراث بالنتائج التي ستطاول مقدرات البلاد كما جرى خلال العامين الماضيين، يرى ردمان أن الحوثي ينطلق وفقاً لما سوف يقدمه لإيران والمحور ومصالح ما بقي من نظامها، وليس المصالح الوطنية.

ولهذا فتدخله "سيكون مفيداً من منظور طهران كورقة ضغط ومشاغلة جديدة ستدعم ملفها التفاوضي المزمع خلال الأيام المقبلة بعدما بلغت بها الحال استدعاء كل أوراقها بما فيها جبهة اليمن".

وخلال حرب غزة، تسببت الميليشيات المنقلبة على الدولة في إلحاق أضرار كبيرة بالاقتصاد العالمي عبر استهداف طرق الملاحة في ما تبرره بدافع إسناد غزة عقب اندلاع الحرب بين حركة "حماس" وإسرائيل في أكتوبر/ تشرين الأول عام 2023، وهاجمت سفن الشحن الدولية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب وخليج عدن، مما هدد أمن طرق التجارة في المنطقة، وأتبعته بإطلاق عشرات الصواريخ والطائرات المسيّرة باتجاه إسرائيل التي ردت بضربات جوية عنيفة ألحقت ضرراً بالبنى والمصالح اليمنية ناهيك عن مقتل عدد من قادة الميليشيات وتدمير بعض العتاد الذي حصلوا عليه من إيران.

والتبعية لإيران اعتبرته الحكومة اليمنية المعترف بها ضمن بيان اليوم محاولة للنظام الإيراني زج اليمن في ما أسمته "حروبه العبثية" التي تهدف إلى "تقويض الدول الوطنية ومصادرة قرارها السيادي وتحويل أراضيها إلى منصات للابتزاز وتهديد السلم والأمن الدوليين".

ووفق بيان نقلته وكالة الأنباء اليمنية "سبأ" فإن هذه "الجولة الجديدة من السياسات الإيرانية التخريبية التي التحقت بها الميليشيات الحوثية الإرهابية تعيد إنتاج النموذج الكارثي الذي شهدته دول أخرى في المنطقة"، من خلال مواصلتها تبني "جماعات مسلحة خارجة عن القانون وتوريط أوطانها في مواجهات مدمرة خدمة لأجندة النظام الإيراني ومشروعه التوسعي، مما ترفضه الحكومة اليمنية رفضاً قاطعاً".

التدخل الهش.. هل يكتب النهاية؟

ومع احتدام الحرب الأمريكية- الإسرائيلية ضد النظام الإيراني ووكلائه في المنطقة ووصولها إلى رؤوس كبار قادة الصف الأول، يتوقع مراقبون أن تكتب التطورات الجارية فصلاً جديداً لمستوى النفوذ الإيراني في المنطقة بما فيها اليمن، خصوصاً وقد أعلن وكيلها الحوثي تنصيب نفسه طرفاً في هذه الحرب على رغم إدراكه للفجوة الهائلة في معادلة الردع.

وفي تقييم أولي لمآلات ونتائج هذا التدخل ومدى تأثيره عسكرياً في إسرائيل بقدر الكلفة التي يتوقع أن يدفعها اليمنيون من دمائهم ومقدراتهم، يرى الباحث السياسي فارس البيل أن هذا التدخل المؤجل كان مفروضاً على الحوثي منذ البداية لكنه جاء في توقيت غير محسوب.

ووفقاً للبيل، كانت إيران تتوقع أن دخول الحوثي سيربك المعركة أو يؤثر فيها، فإذا بشدة الضربات وبراعتها في تفكيك قدرات نظامها وسحقه، جعلت دخول الحوثي الآن هشاً وبلا مبرر خلافاً للشروط التي وضعها الحوثي بالأمس.

ويقلل من الأثر الاستراتيجي لانجرار الحوثي إلى الحرب لأن "لا تأثير لدخوله في حماية إيران أو تهديد إسرائيل عسكرياً سوى أنه سيجلب على اليمنيين دمار بنيتهم". لكنه جراء ذلك يتوقع أن "يكتب الحوثي على نفسه النهاية وسيفتح الباب لدخول أطراف جديدة في الحرب لحماية الملاحة في البحر الأحمر، وعلى إثر ذلك سيتخلص اليمن والمنطقة من الحوثي لأن هذه آخر مراحله".

من التهديد إلى التنفيذ

وتفسيراً لحال الانتقال السريع من بيان الشروط إلى إعلان تنفيذ عملية عسكرية، يقول الكاتب السياسي محمود الطاهر إن هذا التحول يكشف عن "عدم امتلاك الحوثيين لأي قرار مستقل"، معللاً تنافر أقوالهم مع فعلهم اليوم بأنه محاولة "كسب الوقت أو تقديم صورة إعلامية بأن تدخلهم مشروط قبل أن يجري دفعهم إلى الدخول المباشر في الحرب، مما يعزز فرضية أن طهران رفضت الشروط وأمرت بالدخول الفوري في المواجهة".

وفيما يواصل إعلام الحوثي بث بياناته الحماسية التي تتوعد بتدمير أميركا وإسرائيل انتصاراً لإيران، يعود شبح الخوف ليتملك اليمنيين الواقعين في مناطق سيطرة الميليشيات، متسائلين عن جدوى حروب لم ينالوا منها سوى فجوة دعائية رسمها صاروخ إيراني الصنع في طريق مطار تل أبيب اعتبرتها الجماعة ومحور إيران حينها "انتصاراً استراتيجياً" سيعيد رسم موازين القوة، فيما ينهش الجوع والمرض ما بقي من هامش قوة في أجساد الناس في صنعاء والمحافظات المجاورة لها الذين يدفعون فاتورة ثمن الدماء والدمار، فيما تستهلك سلطة الجماعة مزيداً من بيانات التحدي.

(اندبندنت عربية)

الفيس بوك
تويتر

جميع الحقوق محفوظة YemenFreedom ---- تصميم وبرمجة ALRAJIHI