يكاد أكتوبر/ تشرين الأول يمضي كسائر أشهر العام، لكن هذا الشهر سيظل محفوراً في ذاكرة أهالي شبوة بوصفه شهراً دامياً، بعدما شهدت المحافظة واحدة من أكثر مآسيها قسوة، حين استهدف قصف صاروخي مركز تدريب قوة التدخل السريع في منطقة العلم، الإثنين الـ19 من أكتوبر، مخلفاً 79 قتيلاً وأكثر من 200 جريح، في مجزرة اختلطت فيها أصوات الصواريخ بصرخات المصابين، وغابت الكلمات أمام مشاهد الموت والدمار.
ولم تكن الساعات الأولى التي أعقبت "مجزرة العلم" مجرد سباق مع الزمن، بل مواجهة قاسية مع الموت خاضها المسعفون والأطباء والفرق الطبية، فيما كانت سيارات الإسعاف تمضي ذهاباً وإياباً، حاملة أجساداً أنهكها القصف، وأرواحاً تتشبث بأمل النجاة. والتقت "اندبندنت عربية" عدداً من المسعفين الذين كانوا في قلب المأساة، ورووا تفاصيل الساعات الأولى من المجزرة، والمشاهد القاسية التي لا تزال عالقة في ذاكرتهم.
10 أعوام في خدمة الحياة
منذ 10 أعوام، يعمل طلال أحمد الخشعي (51 سنة)، في مجال الإسعاف، متنقلاً في مهماته الإنسانية بين عدن والمكلا ومأرب، ناقلاً المرضى والجرحى إلى المستشفيات بحسب التحويلات الطبية، لكنه وجد نفسه، في ذلك اليوم، أمام مشهد مختلف، تجاوز في قسوته ما يمكن أن يستوعبه إنسان بسهولة.
مع ورود نبأ الحادثة، تحركت سيارات الإسعاف من مكتب الصحة والمديريات باتجاه موقع القصف. وكانت الأولوية انتشال الجرحى من قلب الفاجعة وإيصالهم إلى المستشفيات قبل أن تتدهور حالاتهم أكثر.
يتذكر الخشعي تلك الساعات بوصفها تجربة إنسانية موجعة، لا تكفي الكلمات لاستعادة تفاصيلها أو التعبير عن ثقلها.
وصل إلى الموقع ونقل جريحين إلى الهيئة، ثم عاد في رحلة أخرى لنقل مجموعة جديدة من المصابين، واستمر العمل طوال اليوم، في حركة متواصلة قطعت خلالها سيارات الإسعاف عشرات الكيلومترات، بينما كانت الحاجة إلى الإنقاذ أكبر من قدرة اللحظة على الاحتمال.
لكن أكثر ما علق في ذاكرته لم يكن مشقة الطريق أو طول ساعات العمل، بل كان مشهد القتلى والجرحى، وأجساداً مبعثرة، وإصابات بالغة، ووجعاً يختصر في لحظات ما لا تستطيع اللغة شرحه.
يقول إن المشهد كان محزناً للغاية، وإنه لم يشاهد من قبل ما يشبهه. وفي تلك اللحظات، لم يكن أمامه سوى مواصلة العمل، فكل دقيقة قد تصنع فارقاً بين الحياة والموت، وكل جريح يُنقل إلى المستشفى هو محاولة جديدة لانتزاع روح من قبضة الفاجعة.
شاركت أكثر من 20 سيارة إسعاف في عمليات النقل، وتوزعت الجهود بين موقع الحادثة والمستشفيات، وسط ازدحام المواطنين وتزايد الحاجة إلى التدخل الطبي. وكان يرافق الخشعي ممرض في الجزء الخلفي من سيارة الإسعاف، حيث لا يفصل بينهما وبين المصابين سوى واجب إنساني ثقيل، ومحاولة مستمرة لتقديم ما يمكن تقديمه في ظروف بالغة الصعوبة.
وعن مشاعره في ذلك اليوم، لا يجد الخشعي وصفاً أبلغ من الحزن والألم والوجع، فبعض المشاهد، كما يقول، تعجز الكلمات عن حملها، وتبقى عالقة في الذاكرة حتى بعد انتهاء المهمة.
ويؤكد أن العمل في الإسعاف يتطلب الصبر وسعة البال والتحمل، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بنقل الحالات الحرجة بين المحافظات، في ظل ما قد تواجهه الرحلات من صعوبات ومشكلات. ويثمّن جهود المحافظ عوض بن الوزير، ومكتب الصحة والسكان، وبعض ألوية دفاع شبوة والعمالقة، في التعامل مع تداعيات الحادثة.
ساعات من الاستنفار
كان شلال عبدالله محمد، مدير عمليات مكتب الصحة بالمحافظة، واحداً من أولئك الذين عملوا بعيداً من الأضواء، في سباق متواصل لتنظيم حركة الإسعاف وتوجيه الفرق الطبية ومتابعة نقل المصابين من مركز التدريب في منطقة العلم إلى عتق، ثم إحالة الحالات الحرجة إلى مستشفيات حضرموت وعدن.
يتذكر شلال لحظة تلقي البلاغ، نحو الساعة الثامنة والنصف صباحاً، باعتبارها بداية يوم استثنائي لم يكن يحتمل التردد أو التأخير.
فور وصول الخبر، بدأ التواصل مع سائقي سيارات الإسعاف، وطلب تجهيزها والتحرك سريعاً إلى موقع الحادثة، وجرى استدعاء سيارات إسعاف المديريات، وتأمين حاجاتها من الوقود وإجراء الصيانة اللازمة، استعداداً لمواجهة حجم الإصابات.
انطلقت الدفعة الأولى بأربع سيارات إسعاف، وكان شلال على متن إحداها، يرافق كل سيارة سائق وممرض، ثم اتسعت دائرة الاستنفار مع وصول سيارات من معظم المديريات، إلى جانب سيارات تابعة لبعض ألوية دفاع شبوة والعمالقة، فيما تعذر على الوحدات الموجودة في خطوط المواجهة شمال غربي المحافظة المشاركة في عمليات النقل.
كانت المهمة أكبر من مجرد تنظيم حركة المركبات، فقد تطلبت متابعة مستمرة، وتنسيقاً بين الفرق الطبية والمستشفيات، وتقديراً سريعاً لحالات المصابين الذين تدهورت أوضاع بعضهم، مما استدعى نقلهم إلى مستشفيات حضرموت وعدن.
يستعيد شلال تلك الساعات بوجع واضح، مستحضراً مشاهد الخوف والحزن والبكاء التي أحاطت بالمكان، فقد كانت الإصابات بالغة، والشظايا قد مزقت أجساد عدد من الجرحى، فيما واجه المسعفون والأطباء واقعاً إنسانياً قاسياً وهم يحاولون إنقاذ أكبر عدد ممكن من المصابين.
لم تتوقف سيارات الإسعاف عن العمل طوال اليوم الأول، واستمرت عمليات النقل حتى منتصف الليل. وبين العلم وعتق، كانت المركبات تتحرك في رحلة متواصلة، لا مجال فيها للراحة الطويلة، بينما كانت المستشفيات تستقبل مزيداً من المصابين، وتبذل الفرق الطبية أقصى ما تستطيع لتقديم الرعاية اللازمة.
ويشير شلال إلى الدور الذي أدته النقاط الأمنية والعسكرية المنتشرة على الطريق، وما قدمته من تعاون أسهم في تسهيل حركة الإسعاف، ويلفت إلى الاستجابة الشعبية التي رافقت الحادثة، حين توجه المواطنون إلى المستشفيات الأربعة في عتق للتبرع بالدم، فيما سارع آخرون إلى تقديم وجبات الطعام لمرافقي الجرحى.
عتق.. مدينة تتقاسم الوجع
في مواجهة الفاجعة، لم تكن عتق مجرد محطة لاستقبال الجرحى، بل تحولت إلى مساحة واسعة للتضامن الإنساني، تضافرت فيها جهود السلطة المحلية ومكتب الصحة والأطباء والمواطنين، وتوزعت الأدوار بين من يسعف، ومن يتبرع بالدم، ومن يساند أسر المصابين ومرافقيهم، ومن يعمل على تيسير وصول الحالات إلى المستشفيات.
لم يكن بوسع أحد أن يمحو مشاهد ذلك اليوم أو يخفف من فداحة الخسارة، لكن هذا التكاتف منح اللحظات القاسية وجهاً آخر، وجهاً يذكّر بأن الموت، مهما اتسعت دائرته، لا يلغي قدرة الناس على الوقوف إلى جوار بعضهم بعضاً.
وبينما كانت جثامين القتلى تُنقل من ميدان التدريب إلى عتق، كانت المدينة تحاول أن تستوعب حجم المصاب، وأن تواصل عملها وسط الحزن والذهول، فخلف كل قتيل أسرة تنتظر عودته فلا يعود، وخلف كل جريح حكاية ألم وقلق وأمل معلّق على أبواب المستشفيات.
هكذا مضى ذلك اليوم ثقيلاً على شبوة وأهلها، يوم لم تُقَس ساعاته بمرور الوقت، بل بعدد الأرواح التي احتاجت إلى الإنقاذ، وبحجم الفقد الذي تركه القصف، وبما أظهره الناس من صبر وتضامن في مواجهة المحنة.
ستبقى تلك الساعات حاضرة في ذاكرة المسعفين الذين حملوا الجرحى، والأطباء الذين واجهوا سيل الإصابات، والمواطنين الذين تقاطروا للتبرع بالدم وتقديم العون، وستبقى معها حكاية مدينة، على رغم الألم، لم تستسلم للفاجعة، بل واجهتها بما استطاعت من عمل وتكافل وإنسانية.
(جمال شنيتر)