شكّل إعلان وزارة الخارجية الأمريكية في 4 آذار/مارس 2025، تصنيف الحوثيين "منظمة إرهابية أجنبية" نقطة تحوّل جديدة في المشهد العام في اليمن، ما قد يغيّر الخارطة اليمنية على كافة المستويات سياسيا، عسكريا، اقتصاديا، وكذا إنسانيا.
الإعلان الذي جاء ترجمة للأمر التنفيذي رقم (14175) الذي أصدره الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، هو مؤشر حقيقي لما رأته الإدارة الأمريكية أن الحوثيين يهددون أمن المدنيين والموظفين الأمريكيين في الشرق الأوسط، وسلامة شركاء واشنطن الإقليميين، واستقرار التجارة البحرية الدولية.
برّرت الولايات المتحدة في إعلانها ما قام به الحوثيون من شن مئات الهجمات منذ العام 2023، على السفن التجارية في البحر الأحمر وخليج عدن، وأتبعت تلك التبريرات بعدم التسامح مع أي دولة تتعامل مع "منظمات إرهابية" مثل الحوثيين تحت شعار ممارسة أعمال تجارية دولية مشروعة، وفق ما ذكر بيان الإعلان.
عقوبات على قيادات حوثية
لم يتوقف الأمر عند الإعلان عن تصنيف الحوثيين كمنظمة إرهابية أجنبية"، بل ضيّقت واشنطن الدائرة أكثر، واستهدفت قيادات حوثية في عقوبات جديدة أصدرتها وزارة الخزانة الأمريكية بأمر تنفيذي يحمل الرقم (13224)، لدورها في تهريب الأسلحة إلى المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون في اليمن والتفاوض على صفقات توريد الأسلحة، وتجنيد مدنيين يمنيين للقتال لصالح روسيا في أوكرانيا.
وربطت هذه العقوبات الأنشطة الحوثية ليس على مستوى إيران فحسب، بل امتدت إلى من تصفهم الولايات المتحدة أعدائها، وهما روسيا والصين.
والقيادات التي استهدفتها العقوبات الأمريكية هي (مهدي محمد المشاط، محمد عبدالسلام، محمد علي الحوثي، إسحاق عبدالملك المروني، علي محمد محسن الهادي، عبدالملك عبدالله العجري، خالد حسين صالح جابر، عبد الولي عبده حسن الجابري، وشركته شركة الجابري للتجارة العامة والاستثمار).
موقف رسمي
سارعت الحكومة اليمنية، المعترف به دوليا، بالترحيب بإعلان وزارة الخارجية الأمريكية، دخول تصنيف الحوثيين "كمنظمة إرهابية أجنبية"، في إشارة إلى ضرورة اتخاذ مثل هذه الخطوات التي قد تردع الحوثيين.
الحكومة اعتبرت القرار "خطوة هامة" لمواجهة التهديدات التي يشكلها الحوثيون، والتي استهدفت المدنيين والبنية التحتية في اليمن والدول المجاورة، واستهدفت السفن التجارية في البحر الأحمر، وهددت أمن وسلامة الملاحة وطرق التجارة الدولية.
ورأت الحكومة اليمنية أن القرار الأمريكي يمثل "أداة فعالة للحد من الدعم المادي والمالي" للحوثيين، موجهة دعوة للمجتمع الدولي لاتخاذ خطوات مماثلة لتجفيف مصادر تمويل الحوثيين، وتسليحهم وتعزيز الجهود الرامية لاستعادة الاستقرار وإحلال السلام في اليمن.
مشهد سياسي على المحك
تمثل الإجراءات الأمريكية ضد الحوثيين ارباكا للمشهد السياسي اليمني وجهود الأمم المتحدة الرامية إلى إحلال السلام عبر عملية سياسية شاملة تنهي الحرب، إلا أن ذلك لم يعد يسير على نحو يشجع كافة الأطراف في الداخل اليمني واللاعبين الإقليميين والدوليين على الاستمرار في هذا الطريق الذي كان ممكنا السير عليه للخروج بحل مستدام في اليمن، ومن وجهة نظر الكثيرين يعتبر هذا التصنيف بمثابة عزل سياسي للجماعة.
وتعليقا على ذلك يرى الباحث في مركز "كارنيغي الشرق الأوسط "، إبراهيم جلال، أن تصنيف الولايات المتحدة الأمريكية للحوثيين "كمنظمة إرهابية أجنبية" يُعمِّق عُزلتهم السياسية والدبلوماسية، ويُضيِّق الخناق على مصادر تمويلهم وحركة قياداتهم والتعامل معهم.
ويعتقد جلال في حديثه لـ "يمن فريدم" أن هذا التصنيف "يطيل تجميد مسار العملية السياسية، لكنه لن يوقف جهود الأمم المتحدة للدفع بتفاهمات سياسية هشة إلى الأمام على غرار الحالة الطالبانية".
ويتفق في هذه الرؤية الصحفي في "مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية"، مراد العريفي ويقول "إن هذا التصنيف الأخير يمثل ضربة قوية لها، إذ يعزلها تماما على المستوى السياسي ويمنع وصولها للموارد الاقتصادية من خارج اليمن، ويعتقد أنه " نسف كل المساعي الحوثية في التفاهم المباشر مع السعودية والذي كان سيمهّد للاعتراف بالجماعة ويمنحها صك القبول بها كمكوّن يمني، وهذا الأمر كان سيتجاوز كل الجرائم التي ارتكبتها جماعة الحوثيين بحق اليمنيين وأبرزها الانقلاب على الدولة وفرض سلطتها بقوة السلاح".
وأشار الصحفي العريفي في تصريح لـ "يمن فريدم"، إلى أن التصنيف "يضع الجماعة أمام تحد جديد تتعامل معه للمرة الأولى خصوصا فيما يتعلق بالعقوبات المفروضة على رئيس فريقها التفاوضي محمد عبدالسلام ونائبه عبدالملك العجري اللذين كانا يمثلان الدبلوماسية النشطة للجماعة".
وقال العريفي "وبما أن التصنيف دخل حيّز التنفيذ قبل أيام وجيزة فإن تداعياته ما تزال غير واضحة المعالم، غير أن الجماعة لن تعجز عن إيجاد مخارج للتحايل على العقوبات التي يفرضها التصنيف، وبالتحديد فيما يتعلق بالشق الاقتصادي؛ مستفيدة من خبرة النظام الإيراني وحزب الله اللذين يملكان تاريخا في التعامل مع العقوبات المفروضة من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي".
كما ركّز على نقطة أخرى تتعلق بأضرار هذا التصنيف على اليمنيين أكثر من الحوثيين، ويعتبر ذلك مكمن الخطر، ويتابع "خصوصا أن اليمن واليمنيين لم يكونوا قد تعافوا من وصم الإرهاب خلال الحرب على تنظيم القاعدة، في الوقت الذي سيفرض هذا التصنيف تداعيات إنسانية إذ سيحد من وصول المساعدات الإنسانية للمتضررين، في حين سيكون من الصعب على المنظمات الدولية العمل في مناطق مصنفة على قائمة الإرهاب".
مخاوف أممية
سارعت الأمم المتحدة لإبداء مخاوفها من تداعيات هذا التصنيف، بل وحذرت منه على لسان المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، ستيفان دوجاريك، والذي شدد على ضرورة توفير ضمانات للحفاظ على تدفق المساعدات الإنسانية والتجارة المدنية.
وأكد دوجاريك أن "مثل هذا التصنيف يجب أن يقترن بضمانات مناسبة، سواء فيما يتعلق بالمساعدات الإنسانية أو بقدرة المدنيين على الوصول إلى السلع والخدمات الأساسية".
كما أن الأمم المتحدة لم تغفل الجانب مساعيها السياسية التي قد تصطدم بقرار التصنيف الأمريكي، وهو ما وضحته المتحدِّثة باسم المبعوث الأممي إلى اليمن، إزميني بالا، والتي أكدت التزام المبعوث الأممي إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بمواصلة جهوده في الوساطة وفقاً لتفويض مجلس الأمن الدولي، والدفع نحو تسوية سلمية وشاملة للنزاع.
وقالت بالا، في تصريح لصحيفة "الشرق الأوسط" إنه "من المبكر تحديد تأثير القرار الأمريكي الخاص بفرض عقوبات على القيادات الحوثية".
تبعات إنسانية
لم يبتعد العمل الإنساني والإغاثي في اليمن، كثيرا عن تداعيات تصنيف الحوثيين منظمة إرهابية، بل هو ضمن دائرة التأثير التي أحدثها القرار الأمريكي، وهو ما سيؤثر على ملايين اليمنيين الذي يعانون من انعدام الأمن الغذائي في ظل الأزمة الإنسانية التي صنّفتها الأمم المتحدة كأسوأ أزمة إنسانية في العالم.
الناشط الحقوقي، رياض الدبعي، قال في تصريح لـ "يمن فريدم" إن هذا التصنيف " له انعكاسات إنسانية وإغاثية متعددة، بعضها إيجابي من حيث الضغط على الجماعة لوقف انتهاكاتها، والبعض الآخر سلبي إذا لم يُرافق بآليات تحمي العمل الإنساني في المناطق الخاضعة لسيطرتها".
ويرى الدبعي أن هناك "تداعيات إيجابية"، تتمثل في الحد من تمويل الجماعة عبر شبكاتها المالية، مما قد يضعف قدرتها على مواصلة الحرب والانتهاكات، وتحفيز الجهود الدولية لإيجاد حلول سياسية أكثر جدية، إلى جانب تعزيز حماية المدنيين من خلال الحد من قدرة الحوثيين على تنفيذ عمليات قمعية وتمويلها.
أما بالنسبة للتحديات الإنسانية، يتوقع الناشط الدبعي أن يستغل الحوثيون هذا التصنيف لابتزاز المنظمات الإنسانية وفرض مزيد من القيود على المساعدات.
ويشير في حديثه إلى "تزايد معاناة المدنيين إذا تسبّب القرار في تعطيل الإغاثة بسبب مخاوف قانونية لدى الجهات المانحة. استغلال الحوثيين للقرار كذريعة لعرقلة وصول المساعدات، وتحميل المجتمع الدولي مسؤولية الأزمة الإنسانية".
وأكد على ضرورة "أن يترافق القرار مع آليات تضمن استمرار المساعدات الإنسانية للمحتاجين، وضغط دولي يفرض على الحوثيين احترام القانون الدولي وعدم استغلال المعاناة الإنسانية لأغراض سياسية".
عزلة اقتصادية
التداعيات الاقتصادية لتصنيف الحوثيين "منظمة إرهابية أجنبية" واحدة من المؤشرات التي تؤرق حياة اليمنيين في الداخل في ظل التدهور الكبير في الملف الاقتصادي وحالة العجزي التي تعتري الحكومة اليمنية في محاولاته لمعالجة الوضع برمته.
وأصبح الاعتقاد السائد في اليمن، أن التصنيف الأمريكي للحوثيين سيعزل اليمن من الناحية الاقتصادي وسيفاقم من الوضع المتدهور أصلا، فيما يرى آخرون أن العزلة الاقتصادية ستكون على الحوثيين وحدهم خاصة على المستوى الخارجي.
الصحفي المتخصص في الجانب الاقتصادي، وفيق صالح، أوضح في تصريح لـ " يمن فريدم" أن "القرار الأمريكي بتصنيف جماعة الحوثي منظمة إرهابية أجنبية قد يؤدي إلى فرض عزلة اقتصادية دولية على جماعة الحوثي، عبر تجميد الأصول التابعة لها وحظر التعاملات المالية والتجارية، وفرض عقوبات مشددة على أي أطراف خرى تتجاوز هذه العقوبات، كون تصنيف المنظمات الإرهابية الأجنبية، يجرم جميع أنواع التعاملات المالية أو الشخصية أو حتى تقديم الخبرات الفنية والتدريب أو المساعدة، والتي قد تشمل إجراء اتصالات مع الحوثيين أو أي أفراد من هذه الجماعة، من دون أي استثناءات".
وطرح الصحفي صالح، احتمالية أن "تتأثر مليشيا الحوثي في ملف الإيرادات، ومنها الإيرادات العامة والخاصة، والتي تشكل ركيزة مالية أساسية تقوم عليها استراتيجية الجماعة في بناء وترسيخ جذور نفوذها وسلطتها".
ورجّح وفيق صالح أن تغلق الإيرادات أمام جماعة الحوثي، لاسيما ما يتعلق بالإيرادات المالية التي تجبيها من الموانئ البحرية، والرسوم الباهظة التي تفرضها غالباً بطريقة غير قانونية، على البنوك والمصارف والشركات التجارية، وضرائب كبار المكلفين، وما يتعلق بالتحويلات المالية الأجنبية للمنظمات الدولية، والمراسلات التجارية للبنوك.
ومع كل هذه التطورات المتسارعة ما يزال المشهد ضبابيا، ويصعب التنبؤ بما قد يحدث في ظل الخطوات الأمريكية الأكثر صرامة ضد الحوثيين هذه المرة، وقد تسير الأمور إلى مرحلة أكثر تعقيدا تفرز عنه موجة جديدة من الحرب والعودة إلى المربع الأول.
وبما أن هذا التصنيف دخل حيّز التنفيذ يظل المشهد العام في اليمن بحالة ترقب للخطوات التصعيدية المتوقعة من قبل الحوثيين للرد على الإجراءات الأمريكية ضد الجماعة، على أمل ألا يتأثر المواطن اليمني بتداعياتها.